إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٢ - بيان
الجوارح بالمطعم و المشرب لا ينبغي أن يخلو عن عمل هو أفضل الأعمال،و هو الذكر و الفكر،فإن الطعام الذي يتناوله مثلا فيه من العجائب ما لو تفكر فيه و فطن له، كان ذلك أفضل من كثير من أعمال الجوارح و الناس فيه أقسام: قسم ينظرون إليه بعين التبصر و الاعتبار،فينظرون في عجائب صنعته،و كيفية ارتباط قوام الحيوانات به،و كيفية تقدير اللّه لأسبابه،و خلق الشهوات الباعثة عليه،و خلق الآلات المسخرة للشهوة فيه،كما فصلنا بعضه في كتاب الشكر، و هذا مقام ذوي الألباب و قسم ينظرون فيه بعين المقت و الكراهة،و يلاحظون وجه الاضطرار إليه، و يودهم لو استغنوا عنه،و لكن يرون أنفسهم مقهورين فيه،مسخرين لشهواته، و هذا مقام الزاهدين.و قوم يرون في الصنعة الصانع،و يترقون منها إلى صفات الخالق،فتكون مشاهدة ذلك سببا لتذكر أبواب من الفكر تنفتح عليهم بسببه،و هو أعلى المقامات،و هو من مقامات العارفين و علامات المحبين،إذ المحب إذا رأى صنعة حبيبه،و كتابه،و تصنيفه،نسي الصنعة،و اشتغل قلبه بالصانع.و كل ما يتردد العبد فيه صنع اللّه تعالى،فله في النظر منه إلى الصانع مجال رحب إن فتحت له أبواب الملكوت و ذلك عزيز جدا.و قسم رابع ينظرون إليه بعين الرغبة و الحرص،فيتأسفون على ما فاتهم منه،و يفرحون بما حضرهم من جملته،و يذمون منه ما لا يوافق هواهم،و يعيبونه و يذمون فاعله،فيذمون الطبيخ و الطباخ،و لا يعلمون أن الفاعل للطبيخ و الطباخ و لقدرته و لعلمه هو اللّه تعالى،و أن من ذم شيئا من خلق اللّه بغير إذن اللّه فقد ذم اللّه،و لذلك قال النبي صلى اللّه عليه و سلم[١]«لا تسبّوا الدّهر فإنّ اللّه هو الدّهر» فهذه المرابطة الثانية بمراقبة الأعمال على الدوام و الاتصال.و شرح ذلك يطول، و فيما ذكرناه تنبيه على المنهاج لمن أحكم الأصول