إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٧ - بيان
و اعلم أن المؤمن ينكشف له عقيب الموت من سعة جلال اللّه ما تكون الدنيا بالإضافة إليه كالسجن و المضيق،و يكون مثاله كالمحبوس في بيت مظلم فتح له باب إلى بستان واسع الأكناف،لا يبلغ طرفه أقصاه،فيه أنواع الأشجار،و الأزهار،و الثمار،و الطيور،فلا يشتهي العود إلى السجن المظلم .و قد ضرب له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مثلا[١]فقال لرجل مات«أصبح هذا مرتحلا عن الدّنيا و تركها لأهلها فإن كان قد رضي فلا يسرّه أن يرجع إلى الدّنيا كما لا يسرّ أحدكم أن يرجع إلى بطن أمّه »فعرّفك بهذا أن نسبة سعة الآخرة إلى الدنيا،كنسبة سعة الدنيا إلى ظلمة الرحم و قال صلى اللّه عليه و سلم[٢]«إنّ مثل المؤمن في الدّنيا كمثل الجنين في بطن أمّه إذا خرج من بطنها بكى على مخرجه حتّى إذا رأى الضّوء و وضع لم يحبّ أن يرجع إلى الدنيا،كما لا يحب الجنين أن يرجع إلى بطن أمه و قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،إن فلانا قد مات.فقال[٣]«مستريح أو مستراح منه »أشار بالمستريح إلى المؤمن،و بالمستراح منه إلى الفاجر،إذ يستريح أهل الدنيا منه و قال أبو عمر صاحب السقيا مرّ بنا ابن عمر و نحن صبيان،فنظر إلى قبر،فإذا جمجمة بادية،فأمر رجلا فواراها ثم قال:إن هذه الأبدان ليس يضرها هذا الثرى شيئا،و إنما الأرواح التي تعاقب و تثاب إلى يوم القيامة