إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٦ - بيان
و أكمل اللذّات للشهداء الذين قتلوا في سبيل اللّه ،لأنهم ما أقدموا على القتال إلا قاطعين التفاتهم عن علائق الدنيا،مشتاقين إلى لقاء اللّه.راضين بالقتل في طلب مرضاته.فإن نظر إلى الدنيا فقد باعها طوعا بالآخرة،و البائع لا يلتفت قلبه إلى المبيع.و إن نظر إلى الآخرة فقد اشتراها و تشوّق إليها،فما أعظم فرحه بما اشتراه إذا رآه،و ما أقلّ التفاته إلى ما باعه إذا فارقه.و تجرد القلب لحب اللّه تعالى قد يتفق في بعض الأحوال،و لكن لا يدركه الموت عليه فيتغير،و القتال سبب للموت،فكان سببا لإدراك الموت على مثل هذه الحالة فلهذا عظم النعيم،إذ معنى النعيم أن ينال الإنسان ما يريده قال اللّه تعالى وَ لَهُمْ مٰا يَشْتَهُونَ [١]فكان هذا أجمع عبارة لمعانى لذات الجنة و أعظم العذاب أن يمنع الإنسان عن مراده،كما قال اللّه تعالى وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مٰا يَشْتَهُونَ [٢]فكان هذا أجمع عبارة لعقوبات أهل جهنم و هذا النعيم يدركه الشهيد كما انقطع نفسه من غير تأخير،و هذا أمر انكشف لأرباب القلوب بنور اليقين،و إن أردت عليه شهادة من جهة السمع فجميع أحاديث الشهداء تدل عليه،و كل حديث يشتمل على التعبير عن منتهى نعيمهم بعبارة أخرى.فقد روي عن[١] عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت:قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لجابر«ألا أبشّرك يا جابر»و كان قد استشهد أبوه يوم أحد،فقال بلى بشرك اللّه بالخير.فقال«إنّ اللّه عزّ و جلّ قد أحيا أباك و أقعده بين يديه و قال تمنّ عليّ عبدي ما شئت أعطيكه فقال يا ربّ ما عبدتك حقّ عبادتك أتمنّى عليك أن تردّنى إلى الدّنيا فأقاتل مع نبيّك فأقتل فيك مرّة أخرى قال له إنّه قد سبق منّى أنّك إليها لا ترجع » و قال كعب:يوجد رجل في الجنة يبكى،فيقال له لم تبكي و أنت في الجنة؟قال أبكى لأني لم أقتل في اللّه إلا قتلة واحدة،فكنت أشتهى أن أردّ فأقتل فيه قتلات
[١] النحل:٥٧
[٢] سبأ:٥٤