إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٣ - بيان
لعلمه أنه لا حق به على القرب،و ليس بينهما إلا تقدم و تأخر.و هكذا الموت فإن معناه السبق إلى الوطن،إلى أن يلحق المتأخر.و إذا اعتقد هذا قلّ جزعه و حزنه ،لا سيّما و قد ورد في موت الولد من الثواب ما يعزى به كل مصاب.قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم [١]«لأن أقدّم سقطا أحبّ إلىّ من أن أخلّف مائة فارس كلّهم يقاتل في سبيل اللّه»و إنما ذكر السقط تنبيها بالأدنى على الأعلى،و إلا فالثواب على قدر محل الولد من القلب و قال زيد بن أسلم:توفى ابن لداود عليه السلام،فحزن عليه حزنا شديدا،فقيل له:
ما كان عدله عندك؟قال ملء الأرض ذهبا.قيل له:فإن لك من الأجر في الآخرة مثل ذلك و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[٢]«لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلاّ كانوا له جنّة من النّار»فقالت امرأة عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أو اثنان؟قال«أو اثنان» و ليخلص الوالد الدعاء لولده عند الموت،فإنه أرجى دعاء و أقربه إلى الإجابة.وقف محمد ابن سليمان على قبر ولده فقال:اللهم إنى أصبحت أرجوك له،و أخافك عليه،فحقق رجائي و آمن خوفى.و وقف أبو سنان على قبر ابنه فقال:اللهم إنى قد غفرت له ما وجب لي عليه،فاغفر له ما وجب لك عليه،فإنك أجود و أكرم و وقف أعرابي على قبر ابنه فقال:اللهم إنى قد وهبت له ما قصّر فيه من برّى.فهب له ما قصر فيه من طاعتك.
و لما مات ذر بن عمر بن ذر ،قال أبوه عمر بن ذر بعد ما وضعه في لحده فقال:يا ذر، لقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك.فليت شعري ما ذا قلت و ما ذا قيل لك.ثم قال:
اللهم إن هذا ذر،متعتني به ما متعتني،و وفيته أجله و رزقه و لم تظلمه.اللهم و قد كنت ألزمته طاعتك و طاعتى،اللهم و ما وعدتني عليه من الأجر في مصيبتى فقد وهبت له ذلك فهب لي عذابه و لا تعذبه.فأبكى الناس،ثم قال عند انصرافه:ما علينا بعدك من خصاصة يا ذر