إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٠ - بيان
و حكي عن هارون الرشيد أنه انتقى أكفانه بيده عند الموت،و كان ينظر إليها و يقول مٰا أَغْنىٰ عَنِّي مٰالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطٰانِيَهْ [١]و فرش المأمون رمادا و اضطجع عليه،و كان يقول:يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه و كان المعتصم يقول عند موته:لو علمت أن عمري هكذا قصير ما فعلت و كان المنتصر يضطرب على نفسه عند موته،فقيل له لا بأس عليك يا أمير المؤمنين.
فقال ليس إلا هذا لقد ذهبت الدنيا و أقبلت الآخرة و قال عمرو بن العاص عند الوفاة،و قد نظر إلى صناديق لبنيه:من يأخذها بما فيها ليته كان بعرا و قال الحجاج عند موته:اللهم اغفر لي،فإن الناس يقولون إنك لا تغفر لي.فكان عمر بن عبد العزيز تعجبه هذه الكلمة منه،و يغبطه عليها.و لما حكي ذلك للحسن قال:أقالها؟قيل نعم.قال عسى.
بيان
أقاويل جماعة من خصوص الصالحين من الصحابة
و التابعين،و من بعدهم من أهل التصوف رضي اللّه عنهم أجمعين لما حضر معاذا رضي اللّه عنه الوفاة قال.اللهم إنى قد كنت أخافك،و أنا اليوم أرجوك اللهم إنك تعلم أنى لم أكن أحب الدنيا و طول البقاء فيها لجري الأنهار،و لا لغرس الأشجار و لكن لظمإ الهواجر،و مكابدة الساعات،و مزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر .و لما اشتد به النزع،و نزع نزعا لم ينزعه أحد،كان كلما أفاق من غمرة فتح طرفه ثم قال:رب ما أخنقنى خنقك،فو عزتك إنك تعلم أن قلبي يحبك [١]و لما حضرت سلمان الوفاة بكى،فقيل له ما يبكيك؟قال ما أبكى جزعا على الدنيا، و لكن عهد إلينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن تكون بلغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب.فلما مات سلمان نظر في جميع ما ترك فإذا قيمته بضعة عشر درهما
[١] الحاقة ٢٨،٢٩