إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٦ - بيان
عبدا مؤمنا في تلك الحال،فسلم عليه فرد عليه السلام،فقال إن لي إليك حاجة أذكرها في أذنك.فقال هات.فساره و قال:أنا ملك الموت.فقال أهلا و مرحبا بمن طالت غيبته عليّ،فو اللّه ما كان في الأرض غائب أحب إليّ أن ألقاه منك.فقال ملك الموت:اقض حاجتك التي خرجت لها.فقال ما لي حاجة أكبر عندي و لا أحب من لقاء اللّه تعالى،قال فاختر على أي حال شئت أن أقبض روحك،فقال تقدر على ذلك؟قال نعم إنى أمرت بذلك،قال فدعني حتى أتوضأ و أصلي،ثم اقبض روحي و أنا ساجد.فقبض روحه و هو ساجد و قال أبو بكر بن عبد اللّه المزني :جمع رجل من بني إسرائيل مالا،فلما أشرف على الموت قال لبنيه:أرونى أصناف أموالى.فأتي بشيء كثير من الخيل،و الإبل،و الرقيق،و غيره فلما نظر إليه بكى تحسرا عليه.فرآه ملك الموت و هو يبكى.فقال له ما يبكيك؟فو الذي خولك ما أنا بخارج من منزلك حتى أفرق بين روحك و بدنك.قال فالمهلة حتى أفرقه .
قال هيهات انقطعت عنك المهلة.فهلا كان ذلك قبل حضور أجلك!فقبض روحه و روي أن رجلا جمع مالا فأوعى ،و لم يدع صنفا من المال إلا اتخذه،و ابتنى قصرا، و جعل عليه بابين وثيقين،و جمع عليه حرسا من غلمانه،ثم جمع أهله و صنع لهم طعاما،و قعد على سرير،و رفع إحدى رجليه على الأخرى و هم يأكلون.فلما فرغوا قال:يا نفس أنعمى لسنين،فقد جمعت لك ما يكفيك.فلم يفرغ من كلامه حتى أقبل إليه ملك الموت في هيئة رجل عليه خلقان من الثياب،و في عنقه مخلاة يتشبّه بالمساكين.فقرع الباب بشدة عظيمة فرعا أفزعه و هو على فراشه.فوثب إليه الغلمان و قالوا:ما شأنك؟فقال ادعوا إليّ مولاكم.فقالوا و إلى مثلك يخرج مولانا؟قال نعم:فأخبروه بذلك.فقال هلا فعلتم به و فعلتم:فقرع الباب قرعة أشد من الأولى،فوثب إليه الحرس.فقال أخبروه أنى ملك الموت.فلما سمعوه ألقى عليهم الرعب،و وقع على مولاهم الذل و التخشع.فقال قولوا له قولا لينا،و قولوا هل تأخذ به أحدا؟فدخل عليه و قال:اصنع في مالك ما أنت صانع، فإني لست بخارج منها حتى أخرج روحك.فأمر بماله حتى وضع بين يديه،فقال حين رآه لعنك اللّه من مال أنت شغلتني عن عبادة ربي.و منعتني أن أتخلى لربي.فأنطق اللّه المال فقال:لم تسبني و قد كنت تدخل على السلاطين بي:و يرد المتقي عن بابهم؟