إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٣ - بيان
و قال حذيفة:ما من صباح و لا مساء إلا و مناد ينادى:أيها الناس،الرحيل الرحيل.
و تصديق ذلك قوله تعالى إِنَّهٰا لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيراً لِلْبَشَرِ لِمَنْ شٰاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [١]في الموت.و قال سحيم مولى بني تميم:جلست إلى عامر بن عبد اللّه و هو يصلى،فأوجز في صلاته ثم أقبل عليّ فقال:أرحنى بحاجتك فإنى أبادر.قلت و ما تبادر؟ قال ملك الموت رحمك اللّه.قال فقمت عنه،و قام إلى صلاته و مرّ داود الطائي فسأله رجل عن حديث فقال:دعني إنما أبادر خروج نفسي قال عمر رضي اللّه عنه:التؤدة في كل شيء خير إلا في أعمال الخير للآخرة و قال المنذر:سمعت مالك بن دينار يقول لنفسه:ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر، ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر،حتى كرر ذلك ستين مرة أسمعه و لا يراني و كان الحسن يقول في موعظته:المبادرة المبادرة.فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى اللّه عز و جل.رحم اللّه أمرا نظر إلى نفسه،و بكى على عدد ذبوبه.ثم قرأ هذه الآية إِنَّمٰا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [٢]يعنى الأنفاس،آخر العدد خروج نفسك،آخر العدد فراق أهلك،آخر العدد دخولك في قبرك و اجتهد أبو موسى الأشعري قبل موته اجتهادا شديدا،فقيل له لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق؟فقال إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها.و الذي بقي من أجلى أقل من ذلك:قال فلم يزل على ذلك حتى مات،و كان يقول لامرأته:شدى رحلك،فليس على جهنم معبر و قال بعض الخلفاء على منبره:عباد اللّه،اتقوا اللّه ما استطعتم،و كونوا قوما صيح بهم فانتبهوا،و علموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا،و استعدوا للموت فقد أظلكم، و ترحلوا فقد جدّ بكم ،و إن غاية تنقصها اللحظة،و تهدمها الساعة،لجديرة بقصر المدة.
و إن غائبا يجد به الجديد ان الليل و النهار لحريّ بسرعة الأوبة،و إن قادما يحل بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدة.فالتقيّ عند ربه من ناصح نفسه،و قدم توبته.و غلب شهوته، فإن أجله مستور عنه،و أمله خادع له و الشيطان موكل به،يمنية التوبة ليسوفها،و يزين
[١] المدثر:٣٥،٣٦،٣٧
[٢] مريم:٣٤