إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٢ - كتاب ذكر الموت و ما بعده
>كتاب ذكر الموت و ما بعده< و هو الكتاب العاشر من ربع المنجيات و به اختتام كتاب إحياء علوم الدين >بسم اللّه الرّحمن الرّحيم< الحمد للّٰه الذي قصم بالموت رقاب الجبابرة ،و كسر به ظهور الأكاسرة،و قصر به آمال القياصرة،الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة،حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم في الحافرة،فنقلوا من القصور إلى القبور،و من ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، و من ملاعبة الجواري و الغلمان إلى مقاساة الهوام و الديدان،و من التنعم بالطعام و الشراب إلى التمرغ في التراب،و من أنس العشرة إلى وحشة الوحدة،و من المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل ،فانظر هل وجدوا من الموت حصنا و عزا،و اتخذوا من دونه حجابا و حرزا،و انظر هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟فسبحان من انفرد بالقهر و الاستيلاء،و استأثر باستحقاق البقاء،و أذل أصناف الخلق بما كتب عليهم من الفناء ثم جعل الموت مخلصا للأتقياء،و موعدا في حقهم للّقاء،و جعل القبر سجنا للأشقياء، و حبسا ضيقا عليهم إلى يوم الفصل و القضاء،فله الإنعام بالنعم المتظاهرة و له الانتقام بالنقم القاهرة،و له الشكر في السموات و الأرض،و له الحمد في الأولى و الآخرة، و الصلاة على محمد ذي المعجزات الظاهرة،و الآيات الباهرة،و على آله و أصحابه و سلم تسليما كثيرا أما بعد:فجدير بمن الموت مصرعه،و التراب مضجعه،و الدود أنيسه،و منكر و نكير جليسه،و القبر مقره،و بطن الأرض مستقره،و القيامة موعده،و الجنة أو النار مورده،أن لا يكون له فكر إلا في الموت،و لا ذكر إلاّ له،و لا استعداد إلا لأجله، و لا تدبير إلا فيه،و لا تطلع إلا إليه،و لا تعريج إلا عليه،و لا اهتمام إلا به،و لا حول إلا حوله،و لا انتظار و تربص إلاّ له،و حقيق بأن يعد نفسه من الموتى و يراها في أصحاب القبور؟