إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٤ - القسم الثالث ما لا يدخل تحت حصر الاختيار
و شق الجيوب،و ضرب الخدود،و المبالغة في الشكوى،و إظهار الكآبة ،و تغيير العادة في الملبس،و المفرش،و المطعم.و هذه الأمور داخلة تحت اختياره،فينبغي أن يجتنب جميعها،و يظهر الرضا بقضاء اللّه تعالى،و يبقى مستمرا على عادته،و يعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت،كما روي[١]عن الرميصاء أم سليم رحمها اللّه أنها قالت.توفى ابن لي، و زوجي أبو طلحة غائب .فقمت فسجّيته في ناحية البيت.فقدم أبو طلحة،فقمت فهيأت له إفطاره،فجعل يأكل.فقال كيف الصبي؟قلت بأحسن حال بحمد اللّه و منّه،فإنه لم يكن منذ اشتكى بأسكن منه الليلة.ثم تصنعت له أحسن ما كنت أتصنع له قبل ذلك،حتى أصاب منى حاجته.ثم قلت.ألا تعجب من جيراننا؟قال ما لهم؟قلت أعيروا عارية،فلما طلبت منهم و استرجعت جزعوا!فقال بئس ما صنعوا.فقلت هذا ابنك كان عارية من اللّه تعالى،و إن اللّه قد قبضه إليه.فحمد اللّه و استرجع.ثم غدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فأخبره فقال.«اللهمّ بارك لهما في ليلتهما»قال الراوي.فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة،كلهم قد قرءوا القرءان ،و روى جابر أنه عليه السّلام قال«رأيتني دخلت الجنّة فإذا أنا بالرّميصاء امرأة أبي طلحة»و قد قيل. الصبر الجميل هو أن لا يعرف صاحب المصيبة من غيره.و لا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب،و لا فيضان العين بالدمع إذ يكون من جميع الحاضرين لأجل الموت سواء،و لأن البكاء توجع القلب على الميت، فإن ذلك مقتضى البشرية،و لا يفارق الإنسان إلى الموت.و لذلك لما مات إبراهيم ولد النبي صلّى اللّه عليه و سلم فاضت عيناه،فقيل له أما نهيتنا عن هذا فقال«إنّ هذه رحمة و إنّما يرحم اللّه من عباده الرّحماء» بل ذلك أيضا لا يخرج عن مقام الرضا.فالمقدم على الحجامة و الفصد راض به،و هو متألم بسببه لا محالة،و قد تفيض عيناه إذا عظم ألمه.و سيأتي ذلك في كتاب الرضا إن شاء اللّه تعالى،و كتب ابن أبي نجيح يعزى بعض الخلفاء:إن أحق من عرف حق اللّه تعالى فيما أخذ منه،من عظّم حق اللّه تعالى عنده فيما أبقاه له و اعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك،و الباقي بعدك هو المأجور فيك.و اعلم أن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه .فإذا مهما دفع الكراهة