إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٤ - المقام الثاني
أن الدواء مراد لعينه،أو على أنه أفضل من الصحة و الشفاء الحاصل به،و لكن الأعمال علاج لمرض القلوب،و مرض القلوب مما لا يشعر به غالبا.فهو كبرص على وجه من لا مرآة معه،فإنه لا يشعر به،و لو ذكر له لا يصدق به،و السبيل معه المبالغة في الثناء على غسل الوجه بماء الورد مثلا،إن كان ماء الورد يزيل البرص،حتى يستحثه فرط الثناء على المواظبة عليه،فيزول مرضه.فإنه لو ذكر له أن المقصود زوال البرص عن وجهك،ربما ترك العلاج و زعم أن وجهه لا عيب فيه:و لنضرب مثلا أقرب من هذا فنقول:من له ولد علمه العلم و القرءان،و أراد أن يثبت ذلك في حفظه بحيث لا يزول عنه،و علم أنه لو أمره بالتكرار و الدراسة ليبقى له محفوظ لقال إنه محفوظ،و لا حاجة بي إلى تكرار و دراسة، لأنه يظن أن ما يحفظه في الحال يبقى كذلك أبدا،و كان له عبيد،فأمر الولد بتعليم العبيد، و وعده على ذلك بالجميل،لتتوفر داعيته على كثرة التكرار بالتعليم.فربما يظن الصبي المسكين أن المقصود تعليم العبيد القرءان،و أنه قد استخدم لتعليمهم،فيشكل عليه الأمر فيقول:ما بالى قد استخدمت لأجل العبيد و أنا أجلّ منهم و أعز عند الوالد،و أعلم أن أبي لو أراد تعليم العبيد لقدر عليه دون تكليفي به ،و أعلم أنه لا نقصان لأبي بفقد هؤلاء العبيد، فضلا عن عدم علمهم بالقرءان.فربما يتكامل هذا المسكين،فيترك تعليمهم اعتمادا على استغناء أبيه،و على كرمه في العفو عنه،فينسى العلم و القرءان،و يبقى مدبرا محروما من حيث لا يدرى.
و قد انخدع بمثل هذا الخيال طائفة،و سلكوا طريق الإباحة.و قال إن اللّه تعالى غنيّ عن عبادتنا،و عن أن يستقرض منا،فأي معنى لقوله مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً [١]و لو شاء اللّه إطعام المساكين لأطعمهم،فلا حاجة بنا إلى صرف أموالنا إليهم،كما قال تعالى حكاية عن الكفار وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّٰا رَزَقَكُمُ اللّٰهُ قٰالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشٰاءُ اللّٰهُ أَطْعَمَهُ [٢]و قالوا أيضا لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مٰا أَشْرَكْنٰا وَ لاٰ آبٰاؤُنٰا [٣]فانظر كيف كانوا صادقين في كلامهم،و كيف هلكوا بصدقهم،فسبحان من إذا شاء أهلك بالصدق و إذا شاء أسعد بالجهل.يضل به كثيرا و يهدى به كثيرا فهؤلاء لما ظنوا أنهم استخدموا لأجل المساكين و الفقراء،أو لأجل اللّه تعالى،ثم قالوا
[١] البقرة:٢٤٥
[٢] يس ٤٧
[٣] الانعام:١٤٨