إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٤ - بيان
بحمار،فهذه الأشياء لا تناسب فيها،فلا يدرى أن الجمل كم يسوى بالزعفران،فتتعذر المعاملات جدا.فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها،يحكم فيها بحكم عدل،فيعرف من كل واحد رتبته و منزلته.حتى إذا تقررت المنازل،و ترتبت الرتب،علم بعد ذلك المساوى من غير المساوى،فخلق اللّه تعالى الدنانير و الدراهم حاكمين و متوسطين بين سائر الأموال،حتى تقدر الأموال بهما،فيقال هذا الجمل يسوى مائة دينار،و هذا القدر من الزعفران يسوى مائة،فهما من حيث إنهما مساويان بشيء واحد إذا متساويان.و إنما أمكن التعديل بالنقدين،إذ لا غرض في أعيانهما.و لو كان في أعيانهما غرض،ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض في حق صاحب الغرض ترجيحا،و لم يقتض ذلك في حق من لا غرض له،فلا ينتظم الأمر.فإذا خلقهما اللّه تعالى لتتداولهما الأيدي،و يكونا حاكمين بين الأموال بالعدل.و لحكمة أخرى،و هي التوسل بهما إلى سائر الأشياء،لأنهما عزيزان في أنفسهما،و لا غرض في أعيانهما.و نسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة.فمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء لا كمن ملك ثوبا فإنه لم يملك إلا الثوب،فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب،لأن غرضه في دابة مثلا فاحتيج إلى شيء هو صورته كأنه ليس بشيء،و هو معناه كأنه كل الأشياء.و الشيء إنما تستوي نسبته إلى المختلفات،إذا لم تكن له صورة خاصة يفيدها بخصوصها.كالمرآة لا لون لها،و تحكي كل لون.فكذلك النقد لا غرض فيه،و هو وسيلة إلى كل غرض.
و كالحرف لا معنى له في نفسه،و تظهر به المعاني في غيره.فهذه هي الحكمة الثانية.و فيهما أيضا حكم يطول ذكرها.فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم،بل يخالف الغرض المقصود بالحكم،فقد كفر نعمة اللّه تعالى فيهما.فإذا من كنزهما فقد ظلمهما،و أبطل الحكمة فيهما،و كان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه.لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم،و لا يحصل الغرض المقصود به،و ما خلقت الدراهم و الدنانير لزيد خاصة و لا لعمرو خاصة،إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما،فإنهما حجران،و إنما خلقا لتتداولهما الأيدي،فيكونا حاكمين بين الناس،و علامة معرفة للمقادير،مقومة للمراتب فأخبر اللّه تعالى الذين يعجزون عن قراءة الأسطر الإلهية،المكتوبة على صفحات الموجودات