إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٣ - بيان
الحكمة فيها سائر الناس.و الذين يعرفونها لا يعرفون منها إلا قدرا يسيرا بالإضافة إلى ما في علم اللّه تعالى وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً [١].فإذا كل من استعمل شيئا في جهة غير الجهة التي خلق لها،و لا على الوجه الذي أريد به،فقد كفر فيه نعمة اللّه تعالى.
فمن ضرب غيره بيده،فقد كفر نعمة اليد إذ خلقت له اليد ليدفع بها عن نفسه ما يهلكه و يأخذ ما ينفعه،لا ليهلك بها غيره.و من نظر إلى وجه غير المحرم،فقد كفر نعمة العين و نعمة الشمس،إذ الإبصار يتم بهما،و إنما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه و دنياه،و يتقى بهما ما يضره فيهما،فقد استعملهما في غير ما أريدتا به.و هذا لأن المراد من خلق الخلق، و خلق الدنيا و أسبابها،أن يستعين الخلق بهما على الوصول إلى اللّه تعالى،و لا وصول إليه إلا بمحبته و الأنس به في الدنيا،و التجافي عن غرور الدنيا.و لا أنس إلا بدوام الذكر، و لا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر،و لا يمكن الدوام على الذكر و الفكر إلا بدوام البدن،و لا يبقى البدن إلا بالغذاء،و لا يتم الغذاء إلا بالأرض،و الماء،و الهواء،و لا يتم ذلك إلا بخلق السماء و الأرض،و خلق سائر الأعضاء ظاهرا و باطنا.فكل ذلك لأجل البدن،و البدن مطية النفس،و الراجع إلى اللّه تعالى هي النفس المطمئنة بطول العبادة و المعرفة فلذلك قال تعالى وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ مٰا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ [٢]الآية فكل من استعمل شيئا في غير طاعة اللّه،فقد كفر نعمة اللّه في جميع الأسباب التي لا بد منها لإقدامه على تلك المعصية.و لنذكر مثالا واحدا للحكم الخفية التي ليست في غاية الخفاء،حتى تعتبر بها،و تعلم طريقة الشكر و الكفران على النعم فنقول:
من نعم اللّه تعالى خلق الدراهم و الدنانير.و بهما قوام الدنيا،و هما حجران لا منفعة في أعيانهما،و لكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه،و ملبسه،و سائر حاجاته.و قد يعجز عما يحتاج إليه،و يملك ما يستغنى عنه،كمن يملك الزعفران،مثلا و هو محتاج إلى جمل يركبه،و من يملك الجمل ربما يستغنى و يحتاج إلى الزعفران فلا بد بينهما من معاوضة،و لا بد في مقدار العوض من تقدير،إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله.بكل مقدار من الزعفران.و لا مناسبة بين الزعفران و الجمل،حتى يقال يعطى منه مثله في الوزن أو الصورة.و كذا من يشترى دارا بثياب،أو عبدا بخف.أو دقيقا
[١] الإسراء:٨٥
[٢] الذاريات:٥٦،٥٧