إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٩ - فالأصل الأول العلم
و لا تظنن أن هذه الحسنات بإزاء تحريك اللسان بهذه الكلمات،من غير حصول معانيها في القلب.فسبحان اللّه كلمة تدل على التقديس.و لا إله إلا اللّه،كلمة تدل على التوحيد و الحمد للّٰه كلمة تدل على معرفة النعمة من الواحد الحق.فالحسنات بإزاء هذه المعارف التي هي من أبواب الإيمان و اليقين و اعلم أن تمام هذه المعرفة ينفى الشرك في الأفعال.فمن أنعم عليه ملك من الملوك بشيء فإن رأى لوزيره أو وكيله دخلا في تيسير ذلك و إيصاله إليه،فهو إشراك به في النعمة، فلا يرى النعمة من الملك من كل وجه.بل منه بوجه،و من غيره بوجه:فيتوزع فرحه عليهما،فلا يكون موحدا في حق الملك.نعم لا يغض من توحيده في حق الملك و كمال شكره أن يرى النعمة الواصلة إليه بتوقيعه الذي كتبه بقلمه،و بالكاغد الذي كتبه عليه فإنه لا يفرح بالقلم و الكاغد و لا يشكرهما،لأنه لا يثبت لهما دخلا من حيث هما موجودان بأنفسهما،بل من حيث هما مسخران تحت قدرة الملك.و قد يعلم أن الوكيل الموصل و الخازن أيضا مضطران من جهة الملك في الإيصال،و أنه لو رد الأمر إليه،و لم يكن من جهة الملك إرهاق و أمر جزم يخاف عاقبته ،لما سلم إليه شيئا.فإذا عرف ذلك كان نظره إلى الخازن الموصل،كنظره إلى القلم و الكاغد،فلا يورث ذلك شركا في توحيده من إضافة النعمة إلى الملك.و كذلك من عرف اللّه تعالى و عرف أفعاله،علم أن الشمس،و القمر،و النجوم مسخرات بأمره،كالقلم مثل في يد الكاتب.و أن الحيوانات التي لها اختيار مسخرات في نفس اختيارها.فإن اللّه تعالى هو المسلط للدواعي عليها لتفعل شاءت أم أبت.كالخازن المضطر الذي لا يجد سبيلا إلى مخالفة الملك،و لو خلى و نفسه لما أعطاك ذرة مما في يده.
فكل من وصل إليك نعمة من اللّه تعالى على يده،فهو مضطر ،إذ سلط اللّه عليه الإرادة و هيج عليه الدواعي،و ألقى في نفسه أن خيره في الدنيا و الآخرة أن يعطيك ما أعطاك، و أن غرضه المقصود عنده في الحال و المآل لا يحصل إلا به.و بعد أن خلق اللّه له هذا الاعتقاد،لا يجد سبيلا إلى تركه.فهو إذا إنما يعطيك لغرض نفسه لا لغرضك.و لو لم يكن غرضه في العطاء لما أعطاك.و لو لم يعلم أن منفعته في منفعتك لما نفعك.فهو إذا إنما يطلب نفع نفسه بنفعك،فليس منعما عليك.بل أتخذك وسيلة إلى نعمة أخرى و هو يرجوها.
و إنما الذي أنعم عليك هو الذي سخره لك،و ألقى في قلبه من الاعتقادات و الإرادات