إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٧ - بيان
دموعه على صدره،ثم ركع فبكى،ثم سجد فبكى،ثم رفع رأسه فبكى،فلم يزل كذلك يبكى حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة.فقلت يا رسول اللّه ما يبكيك و قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟قال«أ فلا أكون عبدا شكورا و لم لا أفعل ذلك و قد أنزل اللّه تعالى علىّ» إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ [١]الآية.و هذا يدل على أن البكاء ينبغي أن لا ينقطع أبدا.و إلى هذا السر يشير ما روي أنه مر بعض الأنبياء بحجر صغير يخرج منه ماء كثير،فتعجب منه.فأنطقه اللّه تعالى فقال:منذ سمعت قوله تعالى وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ [٢]فأنا أبكى من خوفه فسأله أن يجيره من النار،فأجاره.
ثم رآه بعد مدة على مثل ذلك.فقال لم تبكي الآن؟ فقال ذاك بكاء الخوف و هذا بكاء الشكر و السرور.و قلب العبد كالحجارة أو أشد قسوة.و لا تزول قسوته إلا بالبكاء في حال الخوف و الشكر جميعا.و روي عنه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال[١]«ينادى يوم القيامة ليقم الحمّادون فتقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنّة»قيل و من الحمادون؟ قال «الّذين يشكرون اللّه تعالى على كلّ حال»و في لفظ آخر«الّذين يشكرون اللّه على السّرّاء و الضّرّاء»و قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«الحمد رداء الرّحمن»و أوحى اللّه تعالى إلى أيوب عليه السّلام.إنى رضيت بالشكر مكافأة من أوليائى،في كلام طويل.
و أوحى اللّه تعالى إليه أيضا في صفة الصابرين:إن دارهم دار السّلام،إذا دخلوها ألهمتهم الشكر، و هو خير الكلام،و عند الشكر أستزيدهم ،بالنظر إلى أزيدهم.و لما نزل في الكنوز ما نزل قال عمر رضي اللّه عنه:أي المال نتخذ؟فقال عليه السّلام[٣]«ليتّخذ أحدكم لسانا ذاكرا و قلبا شاكرا»فأمر باقتناء القلب الشاكر بدلا عن المال.و قال ابن مسعود :الشكر نصف الإيمان
[١] البقرة:١٧٤
[٢] البقرة:٢٤