إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٥ - بيان
من تقصير،فحقيق بأن يرجو قبول التوبة.و أما قبول التوبة إذا كان كارها للمعصية، تسوءه السيئة،و تسره الحسنة،و هو يذم نفسه و يلومها و يشتهي التوبة و يشتاق إليها، فحقيق بأن يرجو من اللّه التوفيق للتوبة،لأن كراهيته للمعصية و حرصه على التوبة،يجرى مجرى السبب الذي قد يفضي إلى التوبة،و إنما الرجاء بعد تأكد الأسباب.و لذلك قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أُولٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّٰهِ [١]معناه أولئك يستحقون أن يرجوا رحمة اللّه.و ما أراد به تخصيص وجود الرجاء لأن غيرهم أيضا قد يرجو،و لكن خصص بهم استحقاق الرجاء فأما من ينهمك فيما يكرهه اللّه تعالى،و لا يذم نفسه عليه،و لا يعزم على التوبة و الرجوع فرجاؤه المغفرة حمق،كرجاء من بث البذر في أرض سبخة و عزم على أن لا يتعهده بسقي و لا تنقية.قال يحيى بن معاذ من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب،مع رجاء العفو من غير ندامة،و توقع القرب من اللّه تعالى بغير طاعة،و انتظار زرع الجنة ببذر النار،و طلب دار المطيعين بالمعاصي، و انتظار الجزاء بغير عمل،و التمني على اللّه عز و جل مع الإفراط.
ترجو النجاة و لم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجرى على اليبس
فإذا عرفت حقيقة الرجاء و مظنته،فقد علمت أنها حالة أثمرها العلم بجريان أكثر الأسباب،و هذه الحالة تثمر الجهد للقيام ببقية الأسباب على حسب الإمكان،فإن من حسن بذره،و طابت أرضه،و غزر ماؤه،صدق رجاؤه،فلا يزال يحمله صدق الرجاء على تفقد الأرض و تعهدها،و تنحية كل حشيش ينبت فيها.فلا يفتر عن تعهدها أصلا إلى وقت الحصاد.و هذا لأن الرجاء يضاده اليأس،و اليأس يمنع من التعهد.فمن عرف أن الأرض سبخة،و أن الماء معوز ،و أن البذر لا ينبت فيترك لا محالة تفقد الأرض و التعب في تعهدها و الرجاء محمود لأنه باعث،و اليأس مذموم،و هو ضده،لأنه صارف عن العمل.و الخوف ليس بضد للرجاء،بل هو رفيق له كما سيأتي بيانه،بل هو باعث آخر بطريق الرهبة،كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة.فإذا حال الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال، و المواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال .و من آثاره التلذذ بدوام الإقبال على اللّه تعالى
[١] البقرة:٢١٨