إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٤ - بيان
بما يحتاج إليه و هو سوق الماء إليه في أوقاته،ثم تقى الشوك عن الأرض و الحشيش و كل ما يمنع نبات البذر أو يفسده،ثم جلس منتظرا من فضل اللّه تعالى دفع الصواعق و الآفات المفسدة إلى أن يتم الزرع و يبلغ غايته،سمي انتظاره رجاء:و إن بث البذر في أرض صلبة سبخة،مرتفعة لا ينصب إليها الماء،و لم يشتغل بتعهد البذر أصلا،ثم انتظر الحصاد منه، سمي انتظاره حمقا و غرورا لا رجاء.و إن بث البذر في أرض طيبة،لكن لا ماء لها،و أخذ ينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار و لا تمتنع أيضا،سمي انتظاره تمنيا لا رجاء فإذا اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد،و لم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره،و هو فضل اللّه تعالى بصرف القواطع و المفسدات.فالعبد إذا بث بذر الإيمان،و سقاه بماء الطاعات،و طهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة،و انتظر من فضل اللّه تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت،و حسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة،كان انتظاره رجاء حقيقيا،محمودا في نفسه،باعثا له على المواظبة و القيام بمقتضى أسباب الإيمان في إتمام أسباب المغفرة إلى الموت.و إن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات.أو ترك القلب مشحونا برذائل الأخلاق،و انهمك في طلب لذات الدنيا،ثم انتظر المغفرة،فانتظاره حمق و غرور.قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه الجنّة»و قال تعالى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضٰاعُوا الصَّلاٰةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَوٰاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [١]و قال تعالى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتٰابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هٰذَا الْأَدْنىٰ وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنٰا [٢]و ذم اللّه تعالى صاحب البستان،إذ دخل جنته و قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا،و ما أظن الساعة قائمة،و لئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا فإذا العبد المجتهد في الطاعات،المجتنب للمعاصي ،حقيق بأن ينتظر من فضل اللّه تمام النعمة،و ما تمام النعمة إلا بدخول الجنة،و أما العاصي،فإذا تاب و تدارك جميع ما فرط منه
[١] مريم:٥٩
[٢] الأعراف:١٦٩