إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٨ - بيان
في آلام أهل النار.أما ترى أهل الدنيا ليس يشتد فرحهم بنور الشمس مع شدة حاجتهم إليها،من حيث إنها عامة مبذولة.و لا يشتد فرحهم بالنظر إلى زينة السماء،و هي أحسن من كل بستان لهم في الأرض يجتهدون في عمارته،و لكن زينة السماء لما عمت لم يشعروا بها، و لم يفرحوا بسببها:فإذا قد صح ما ذكرناه من أن اللّه تعالى لم يخلق شيئا إلا و فيه حكمة، و لا خلق شيئا إلا و فيه نعمة،إما على جميع عباده،أو على بعضهم.فإذا في خلق اللّه تعالى البلاء نعمة أيضا،إما على المبتلى،أو على غير المبتلى.فإذا كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق، و لا نعمة مطلقة فيجتمع فيها على العهد وظيفتان،الصبر و الشكر جميعا.فإن قلت فهما متضادان فكيف يجتمعان؟إذ لا صبر إلا على غم.و لا شكر إلا على فرح.فاعلم أن الشيء الواحد قد يغتم به من وجه،و يفرح به من وجه آخر.فيكون الصبر من حيث الاغتمام،و الشكر من حيث الفرح و في كل فقر،و مرض،و خوف،و بلاء في الدنيا خمسة أمور،ينبغي أن يفرح العاقل بها،و يشكر عليها.أحدها:أن كل مصيبة و مرض فيتصور أن يكون أكبر منها.إذ مقدورات اللّه تعالى لا تتناهى فلو ضعفها اللّه تعالى و زادها ما ذا كان يرده و يحجزه فليشكر.إذ لم تكن أعظم منها في الدنيا.
الثاني:أنه كان يمكن أن تكون مصيبته في دينه.قال رجل لسهل رضى اللّه تعالى عنه:دخل اللص بيتي و أخذ متاعى.فقال:اشكر اللّه تعالى.لو دخل الشيطان قلبك فأفسد التوحيد ما ذا كنت تصنع؟و لذلك استعاذ عيسى عليه الصلاة و السّلام في دعائه إذ قال.اللهم لا تجعل مصيبتى في ديني.و قال عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه:ما ابتليت ببلاء إلا كان للّٰه تعالى علىّ فيه أربع نعم:إذ لم يكن في ديني،و إذ لم يكن أعظم منه،و إذ لم أحرم الرضا به و إذ أرجو الثواب عليه.و كان لبعض أرباب القلوب صديق،فحبسه السلطان،فأرسل إليه يعلمه و يشكو إليه،فقال له:اشكر اللّه فضربه،فأرسل إليه يعلمه و يشكو إليه،فقال اشكر اللّه.فجيء بمجوسي فحبس عنده،و كان مبطونا،فقيد و جعل حلقة من قيده في رجله.و حلقه في رجل المجوسي:فأرسل إليه،فقال اشكر اللّه.فكان المجوسي يحتاج إلى أن يقوم مرات،و هو يحتاج أن يقوم معه،و يقف على رأسه حتى يقضى حاجته، فكتب إليه بذلك،فقال اشكر اللّه،فقال إلى متى هذا؟و أي بلاء أعظم من هذا؟فقال