إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٤ - الطرف الثامن
الطرف الثامن
في بيان نعمة اللّه تعالى في خلق الملائكة عليهم السّلام
ليس يخفى عليك ما سبق من نعمة اللّه في خلق الملائكة بإصلاح الأنبياء عليهم السّلام و هدايتهم،و تبليغ الوحي إليهم.و لا تظنن أنهم مقتصرون في أفعالهم على ذلك القدر.بل طبقات الملائكة مع كثرتها و ترتيب مراتبها تنحصر بالجملة في ثلاث طبقات:الملائكة الأرضية،و السماوية،و حملة العرش.فانظر كيف و كلهم اللّه تعالى بك فيما يرجع إلى الأكل و الغذاء الذي ذكرناه،دون ما يجاوز ذلك من الهداية و الإرشاد و غيرهما و اعلم أن كل جزء من أجزاء بدنك،بل من أجزاء النبات،لا يغتذي إلا بأن يوكل به سبعة من الملائكة هو أقله إلى عشرة،إلى مائة إلى ما وراء ذلك.و بيانه أن معنى الغذاء أن يقوم جزء من الغذاء مقام جزء و قد تلف ،و ذلك الغذاء يصير دما في آخر الأمر،ثم يصير لحما و عظما.
و إذا صار لحما و عظما تم اغتذاؤك.و الدم و اللحم أجسام ليس لها قدرة و معرفة و اختيار، فهي لا تتحرك بأنفسها،و لا تتغير بأنفسها،و مجرد الطبع لا يكفي في ترددها في أطوارها كما أن البر بنفسه لا يصير طحينا،ثم عجينا،ثم خبزا مستديرا مخبوزا إلا بصنّاع.فكذلك الدم بنفسه لا يصير لحما،و عظما،و عروقا،و عصبا إلا بصناع.و الصناع في الباطن هم الملائكة.كما أن الصناع في الظاهر هم أهل البلد.و قد أسبغ اللّه تعالى عليك نعمه ظاهرة و باطنة.فلا ينبغي أن تغفل عن نعمه الباطنة فأقول:لا بد من ملك يجذب الغذاء إلى جوار اللحم و العظم،فإن الغذاء لا يتحرك بنفسه،و لا بد من ملك آخر يمسك الغذاء في جواره و لا بد من ثالث يخلع عنه صورة الدم و لا بد من رابع يكسوه صورة اللحم و العروق أو العظم و لا بد من خامس يدفع الفضل الفاضل عن حاجة الغذاء و لا بد من سادس يلصق ما اكتسب صفة العظم بالعظم،و ما اكتسب صفة اللحم باللحم،حتى لا يكون منفصلا و لا بد من سابع يرعى المقادير في الالصاق،فيلحق بالمستدير ما لا يبطل استدارته،و بالعريض ما لا يزيل عرضه، و بالمجوف ما لا يبطل تجويفه،و يحفظ على كل واحد قدر حاجته فإنه لو جمع مثلا من الغذاء على أنف الصبي ما يجمع على فخذه لكبر أنفه،و بطل تجويفه،و تشوهت صورته و خلقته،بل ينبغي