إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣١ - الطرف السادس
الطرف السادس
في إصلاح الأطعمة
اعلم أن الذي ينبت في الأرض من النبات،و ما يخلق من الحيوانات،لا يمكن أن يقضم و يؤكل و هو كذلك.بل لا بد في كل واحد من إصلاح،و طبخ،و تركيب، و تنظيف بإلقاء البعض و إبقاء البعض،إلى أمور أخر لا تحصى.و استقصاء ذلك في كل طعام يطول،فلنعين رغيفا واحدا،و لننظر إلى ما يحتاج إليه الرغيف الواحد حتى يستدير و يصلح للأكل من بعد إلقاء البذر في الأرض.فأول ما يحتاج إليه الحراث ليزرع و يصلح الأرض،ثم الثور الذي يثير الأرض و الفدان و جميع أسبابه،ثم بعد ذلك التعهد بسقى الماء مدة،ثم تنقية الأرض من الحشيش،ثم الحصاد،ثم الفرك و التنقية،ثم الطحن ثم العجن،ثم الخبز.فتأمل عدد هذه الأفعال التي ذكرناها و ما لم نذكره،و عدد الأشخاص القائمين بها،و عدد الآلات التي يحتاج إليها من الحديد،و الخشب،و الحجر و غيره،و انظر إلى أعمال الصناع في إصلاح آلات الحراثة،و الطحن،و الخبز،من نجار و حداد و غيرهما و انظر إلى حاجة الحداد إلى الحديد،و الرصاص،و النحاس،و انظر كيف خلق اللّه تعالى الجبال،و الأحجار،و المعادن ،و كيف جعل الأرض قطعا متجاورات مختلفة.فإن فتشت علمت أن رغيفا واحدا لا يستدير بحيث يصلح لأكلك يا مسكين ما لم يعمل عليه أكثر من ألف صانع.فابتدئ من الملك الذي يزجى السحاب لينزل الماء،إلى آخر الأعمال من جهة الملائكة،حتى تنتهي النوبة إلى عمل الإنسان.فإذا استدار طلبه قريب من سبعة آلاف صانع،كل صانع أصل من أصول الصنائع التي بها تتم مصلحة الخلق .ثم تأمل كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات،حتى أن الإبرة التي هي آلة صغيرة فائدتها خياطة اللباس الذي يمنع البرد عنك،لا تكمل صورتها من حديدة تصلح للإبرة إلا بعد أن تمر على يد الإبرى خمسا و عشرين مرة،و يتعاطى في كل مرة منها عملا.فلو لم يجمع اللّه تعالى البلاد،و لم يسخر العباد،و افتقرت إلى عمل المنجل الذي تحصد به البر مثلا بعد نباته لنفد عمرك و عجزت عنه.أ فلا ترى كيف هدى اللّه عبده الذي خلقه من نطفة قذرة،لأن يعمل هذه الأعمال العجيبة