إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٥ - الطرف الثالث
و وجوده،و كيفية سريانه في الأعضاء،و كيفية حصول الإحساس و القوى في الأعضاء به حتى إذا خدر بعض الأعضاء علموا أن ذلك لوقوع سدة في مجرى هذا الروح،فلا يعالجون موضع الخدر،بل منابت الأعصاب و مواقع السدة فيها،و يعالجونها بما يفتح السدة، فإن هذا الجسم بلطفه ينفذ في شباك العصب،و بواسطته يتأدى من القلب إلى سائر الأعضاء،و ما يرتقى إليه معرفة الأطباء فأمره سهل نازل.
و أما الروح التي هي الأصل،و هي التي إذا فسدت فسد لها سائر البدن،فذلك سر من أسرار اللّه تعالى لم نصفه،و لا رخصة في وصفه إلا بأن يقال هو أمر رباني،كما قال تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١]و الأمور الربانية لا تحتمل العقول وصفها،بل تتحير فيها عقول أكثر الخلق.و أما الأوهام و الخيالات فقاصرة عنها بالضرورة قصور البصر عن إدراك الأصوات ،و تتزلزل في ذكر مبادى وصفها معاقد العقول المقيدة بالجوهر و العرض المحبوسة في مضيقها،فلا يدرك بالعقل شيء من وصفه،بل بنور آخر أعلى و أشرف من العقل يشرق ذلك النور في عالم النبوة و الولاية،نسبته إلى العقل نسبة العقل إلى الوهم و الخيال و قد خلق اللّه تعالى الخلق أطوارا.فكما يدرك الصبي المحسوسات و لا يدرك المعقولات لأن ذلك طور لم يبلغه بعد.فكذلك يدرك البالغ المعقولات و لا يدرك ما وراءها،لأن ذلك طور لم يبلغه بعد.و إنه لمقام شريف،و مشرب عذب،و رتبة عالية،فيها يلحظ جناب الحق بنور الإيمان و اليقين،و ذلك المشرب أعز من أن يكون شريعة لكل وارد، بل لا يطلع عليه إلا واحد بعد واحد.و لجناب الحق صدر،و في مقدمة الصدر مجال و ميدان رحب،و على أول الميدان عتبة هي مستقر ذلك الأمر الرباني.فمن لم يكن له على هذه العتبة جواز،و لا لحافظ العتبة مشاهدة،استحال أن يصل الميدان.فكيف بالانتهاء إلى ما وراءه من المشاهدات العالية!و لذلك قيل:من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه.و أنى يصادف هذا في خزانة الأطباء!و من أين للطبيب أن يلاحظه!بل المعنى المسمى روحا عند الطبيب، بالإضافة إلى هذا الأمر الرباني،كالكرة التي يحركها صولجان الملك.بالإضافة إلى الملك فمن عرف الروح الطبي فظن أنه أدرك الأمر الرباني،كان كمن رأى الكرة التي يحركها صولجان الملك،فظن أنه رأى الملك.و لا يشك في أن خطأه فاحش.و هذا الخطأ أفحش
[١] الاسراء:٨٥