إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٤ - الطرف الثالث
الذي في باطن القلب له كالفتيلة،و الغذاء له كالزيت،و الحياة الظاهرة في سائر أعضاء البدن بسببه كالضوء للسراج في جملة البيت.و كما أن السراج إذا انقطع زيته انطفأ، فسراج الروح أيضا ينطفئ مهما انقطع غذاؤه.و كما أن الفتيلة قد تحترق فتصير رمادا بحيث لا تقبل الزيت،فينطفئ السراج مع كثرة الزيت،فكذلك الدم الذي تشبث به هذا البخار في القلب قد يحترق بفرط حرارة القلب،فينطفئ مع وجود الغذاء،فإنه لا يقبل الغذاء الذي يبقى به الروح.كما لا يقبل الرماد الزيت قبولا تتشبث النار به و كما أن السراج تارة ينطفئ بسبب من داخل كما ذكرناه،و تارة بسبب من خارج كريح عاصف ،فكذلك الروح تارة تنطفئ بسبب من داخل.و تارة بسبب من خارج و هو القتل و كما أن انطفاء السراج بفناء الزيت،أو بفساد الفتيلة،أو بريح عاصف،أو بإطفاء إنسان لا يكون إلا بأسباب مقدرة في علم اللّه مرتبة،و يكون كل ذلك بقدر،فكذلك انطفاء الروح.و كما أن انطفاء السراج هو منتهى وقت وجوده،فيكون ذلك أجله الذي أجل له في أم الكتاب،فكذلك انطفاء الروح.و كما أن السراج إذا انطفأ أظلم البيت كله فالروح إذا انطفأ أظلم البدن كله،و فارقته أنواره التي كان يستفيدها من الروح،و هي أنوار الإحساسات ،و القدر،و الإرادات،و سائر ما يجمعها معنى لفظ الحياة فهذا أيضا رمز وجيز إلى عالم آخر من عوالم نعم اللّه تعالى و عجائب صنعه و حكمته، ليعلم أنه لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي عز و جل فتعسا لمن كفر باللّه تعسا،و سحقا لمن كفر نعمته سحقا فإن قلت:فقد وصفت الروح و مثلته،و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]سئل عن الروح فلم يزد عن أن قال قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١]فلم يصفه لهم على هذا الوجه ، فاعلم أن هذه غفلة عن الاشتراك الواقع في لفظ الروح.فإن الروح يطلق لمعان كثيرة لا تطول بذكرها.و نحن إنما وصفنا من جملتها جسما لطيفا تسميه الأطباء روحا.و قد عرفوا صفته
[١] الاسراء:٨٥