إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢ - و المقصود أن للتوبة ثمرتين
و أنه لا تخلو ذرة من الخير عن أثر،كما لا تخلو شعيرة تطرح في الميزان عن أثر و لو خلت الشعيرة الأولى عن أثر،لكانت الثانية مثلها،و لكان لا يرجح الميزان بأحمال الذرات.و ذلك بالضرورة محال.بل ميزان الحسنات يرجح بذرات الخيرات إلى أن يثقل فترفع كفة السيئات.فإياك أن تستصغر ذرات الطاعات فلا تأتيها ،و ذرات المعاصي فلا تنفيها كالمرأة الخرقاء،تكسل عن الغزل تعللا بأنها لا تقدر في كل ساعة إلا على خيط واحد و تقول:أي غنى يحصل بخيط؟و ما وقع ذلك في الثياب؟و لا تدري المعتوهة أن ثياب الدنيا اجتمعت خيطا خيطا،و أن أجسام العالم مع اتساع أقطاره اجتمعت ذرة ذرة فإذا التضرع و الاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند اللّه أصلا.بل أقول الاستغفار باللسان أيضا حسنة.إذ حركة اللسان بها عن غفلة خير من حركة اللسان في تلك الساعة بغيبة مسلم،أو فضول كلام.بل هو خير من السكوت عنه.فيظهر فضله بالإضافة إلى السكوت عنه.و إنما يكون نقصانا بالإضافة إلى عمل القلب.و لذلك قال بعضهم لشيخه أبي عثمان المغربي:إن لساني في بعض الأحوال يجرى بالذكر و القرءان و قلبي غافل،فقال:
اشكر اللّه إذا استعمل جارحة من جوارحك في الخير،و عوّده الذكر،و لم يستعمله في الشر و لم يعوده الفضول.و ما ذكره حق .فإن تعود الجوارح للخيرات حتى يصير لها ذلك كالطبع ،يدفع جملة من المعاصي.فمن تعود لسانه الاستغفار إذا سمع من غيره كذبا سبق لسانه إلى ما توعد فقال:استغفر اللّه.و من تعود الفضول،سبق لسانه إلى قول:ما أحمقك،و ما أقبح كذبك!و من تعود الاستعاذة إذا حدّث بظهور مبادئ الشر من شرير،قال بحكم سبق اللسان.نعوذ باللّه،و إذا تعود الفضول قال:لعنه اللّه.فيعصى في إحدى الكلمتين و يسلم في الأخرى.و سلامته أثر اعتياد لسانه الخير و هو من جملة معانى قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [١]و معانى قوله تعالى وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضٰاعِفْهٰا وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [٢]فانظر كيف ضاعفها إذ جعل الاستغفار في الغفلة عادة اللسان حتى دفع بتلك العادة شر العصيان بالغيبة و اللعن و الفضول،هذا تضعيف في الدنيا لأدنى الطاعات.و تضعيف الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون
[١] التوبة:١٢٠
[٢] النساء:٤٠