إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٧ - الطرف الأول
في حقك،فتكون الحواس الخمس كالجواسيس و أصحاب الأخبار الموكلين بنواحي المملكة،و قد وكلت كل واحدة منها بأمر تختص به ،فواحدة منها بأخبار الألوان، و الأخرى بأخبار الأصوات،و الأخرى بأخبار الروائح،و الأخرى بأخبار الطعوم، و الأخرى بأخبار الحر،و البرد ،و الخشونة،و الملاسة،و اللين،و الصلابة،و غيرها و هذه البرد و الجواسيس يقتنصون الأخبار من أقطار المملكة،و يسلمونها إلى الحس المشترك.
و الحس المشترك قاعد في مقدمة الدماغ،مثل صاحب القصص و الكتب على باب الملك، يجمع القصص و الكتب الواردة من نواحي العالم فيأخذها و هي مختومة و يسلمها،إذ ليس له إلا أخذها،و جمعها،و حفظها.فأما معرفة حقائق ما فيها فلا.و لكن إذا صادف القلب العاقل،الذي هو الأمير و الملك،سلم الانها آت إليه مختومة،فيفتشها الملك، و يطلع منها على أسرار المملكة،و يحكم فيها بأحكام عجيبة لا يمكن استقصاؤها في هذا المقام.و بحسب ما يلوح له من الأحكام و المصالح يحرك الجنود،و هي الأعضاء،مرة في الطلب،و مرة في الهرب،و مرة في إتمام التدبيرات التي تعن له.فهذه سياقة نعمة اللّه عليك في الإدراكات.و لا تظنن أنا استوفيناها.فإن الحواس الظاهرة هي بعض الإدراكات و البصر واحد من جملة الحواس،و العين آلة واحدة له،و قد ركبت العين من عشر طبقات مختلفة،بعضها رطوبات و بعضها أغشية.و بعض الأغشية كأنها نسج العنكبوت ،و بعضها كالمشيمة.و بعض تلك الرطوبات كأنه بياض البيض،و بعضها كأنه الجمد.و لكل واحدة من هذه الطبقات العشر صفة،و صورة،و شكل،و هيئة،و عرض،و تدوير،و تركيب لو اختلت طبقة واحدة من جملة العشر،أو صفة واحدة من صفات كل طبقة،لاختل البصر،و عجز عنه الأطباء و الكحالون كلهم فهذا في حس واحد،فقس به حاسة السمع و سائر الحواس .بل لا يمكن أن تستوفي حكم اللّه تعالى و أنواع نعمه في جسم البصر و طبقاته في مجلدات كثيرة،مع أن جملته لا تزيد على جوزة صغيرة .فكيف ظنك بجميع البدن و سائر أعضائه و عجائبه،فهذه مرامز إلى نعم اللّه تعالى بخلق الإدراكات.