إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١١ - قسمة خامسة
الإنفاق فيه الترياق ،و في الإمساك السم.و لو فتح للناس باب كسب المال و رغبوا فيه، لمالوا إلى سم الإمساك،و رغبوا عن ترياق الإنفاق.فلذلك قبحت الأموال،و المعنى به تقبيح إمساكها،و الحرص عليها للاستكثار منها،و التوسع في نعيمها بما يوجب الركون إلى الدنيا و لذاتها.فأما أخذها بقدر الكفاية،و صرف الفاضل إلى الخيرات،فليس بمذموم و حق كل مسافر أن لا يحمل إلا بقدر زاده في السفر،إذا صمم العزم على أن يختص بما يحمله فأما إذا سمحت نفسه بإطعام الطعام،و توسيع الزاد على الرفقاء،فلا بأس بالاستكثار.
و قوله عليه السّلام[١]«ليكن بلاغ أحدكم من الدّنيا كزاد الرّاكب »معناه لأنفسكم خاصة .و إلا فقد كان فيمن يروى هذا الحديث و يعمل به،من يأخذ مائة ألف درهم في موضع واحد،و يفرقها في موضعه،و لا يمسك منها حبة .و لما ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن الأغنياء يدخلون الجنة بشدة،[٢]استأذنه عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه في أن يخرج عن جميع ما يملكه،فأذن له.فنزل جبريل عليه السّلام و قال مره بأن يطعم المسكين و يكسو العاري،و يقري الضيف،الحديث فإذا النعم الدنيوية مشوبة.قد امتزج دواؤها بدائها،و مرجوّها بمخوفها،و نفعها بضرها.فمن وثق ببصيرته و كمال معرفته،فله أن يقرب منها متقيا داءها،و مستخرجا دواءها و من لا يثق بها،فالبعد البعد،و الفرار الفرار عن مظان الأخطار،فلا تعدل بالسلامة شيئا في حق هؤلاء،و هم الخلق كلهم إلا من عصمه اللّه تعالى و هداه لطريقه فإن قلت:فما معنى النعم التوفيقية الراجعة إلى الهداية،و الرشد،و التأييد،و التسديد؟ فاعلم أن التوفيق لا يستغنى عنه أحد.و هو عبارة عن التأليف و التلفيق بين إرادة العبد و بين قضاء اللّه و قدره.و هذا يشمل الخير و الشر،و ما هو سعادة و ما هو شقاوة.
و لكن جرت العادة بتخصيص اسم التوفيق بما يوافق السعادة من جملة قضاء اللّه تعالى و قدره