إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٠ - قسمة خامسة
لأن الناس أكثرهم جهال بطريق الرقية لحية المال،و طريق الغوص في بحر الجاه،فوجب تحذيرهم،فإنهم يهلكون بسم المال قبل الوصول إلى ترياقه،و يهلكهم تمساح بحر الجاه قبل العثور على جواهره .و لو كانا في أعيانهما مذمومين بالإضافة إلى كل أحد،لما تصور أن ينضاف إلى النبوة الملك ،كما كان لرسولنا صلّى اللّه عليه و سلم،و لا أن ينضاف إليها الغنى،كما كان لسليمان عليه السّلام.
فالناس كلهم صبيان،و الأموال حيات ،و الأنبياء و العارفون معزمون.فقد يضر الصبي ما لا يضر المعزم.نعم المعزم لو كان له ولد يريد بقاءه و صلاحه،و قد وجد حية،و علم أنه او أخذها لأجل ترياقها لاقتدى به ولده،و أخذ الحية إذا رآها ليلعب بها فيهلك،فله غرض في الترياق،و له غرض في حفظ الولد.فواجب عليه أن يزن غرضه في الترياق بغرضه في حفظ الولد.فإذا كان يقدر على الصبر عن الترياق،و لا يستضر به ضررا كثيرا،و لو أخذها لأخذها الصبي،و يعظم ضرره بهلاكه،فواجب عليه أن يهرب عن الحية إذا رآها،و يشير على الصبي بالهرب ،و يقبح صورتها في عينه،و يعرفه أن فيها سما قاتلا لا ينجو منه أحد و لا يحدثه أصلا بما فيها من نفع الترياق،فإن ذلك ربما يغره فيقدم عليه من غير تمام المعرفة.و كذلك الغواص،إذا علم أنه لو غاص في البحر بمرأى من ولده لا تبعه و هلك، فواجب عليه أن يحذر الصبي ساحل البحر و النهر.فإن كان لا ينزجر الصبي بمجرد الزجر مهما رأى والده يحوم حول الساحل،فواجب عليه أن يبعد من الساحل مع الصبي، و لا يقرب منه بين يديه.فكذلك الأمة في حجر الأنبياء عليهم السّلام كالصبيان الأغبياء و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«إنّما أنا لكم مثل الوالد لولده »و قال صلّى اللّه عليه و سلم [٢]«إنّكم تتهافتون على النّار تهافت الفراش و أنا آخذ بحجزكم»و حظهم الأوفر في حفظ أولادهم عن المهالك،فإنهم لم يبعثوا إلا لذلك.و ليس لهم في المال حظ إلا بقدر القوت،فلا جرم اقتصروا على قدر القوت.و ما فضل فلم يمسكوه،بل أنفقوه.فإن