إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٢ - قسمة خامسة
حياة باطنة.و كل حي بالبدن ميت بالقلب فهو عند اللّه من الموتى،و إن كان عند الجهال من الأحياء.و لذلك كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فرحين،و إن كانوا موتى بالأبدان الثانية:لذة يشارك الإنسان فيها بعض الحيوانات،كلذة الرئاسة و الغلبة و الاستيلاء و ذلك موجود في الأسد و النمر و بعض الحيوانات.الثالثة:ما يشارك فيها سائر الحيوانات كلذة البطن و الفرج،و هذه أكثرها وجودا،و هي أخسها،و لذلك اشترك فيها كل ما دب و درج،حتى الديدان و الحشرات.و من جاوز هذه الرتبة تشبثت به لذة الغلبة، و هو أشدها التصاقا،بالمتغافلين.فإن جاوز ذلك ارتقى إلى الثالثة،فصار أغلب اللذات عليه لذة العلم و الحكمة،لا سيما لذة معرفة اللّه تعالى،و معرفة صفاته و أفعاله.و هذه رتبة الصديقين،و لا ينال تمامها إلا بخروج استيلاء حب الرئاسة من القلب.و آخر ما يخرج من رءوس الصديقين حب الرئاسة.و أما شره البطن و الفرج فكسره مما يقوى عليه الصالحون.
و شهوة الرئاسة لا يقوى على كسرها إلا الصديقون.فأما قمعها بالكلية حتى لا يقع بها الإحساس على الدوام و في اختلاف الأحوال،فيشبه أن يكون خارجا عن مقدور البشر، نعم تغلب لذة معرفة اللّه تعالى في أحوال لا يقع معها الإحساس بلذة الرئاسة و الغلبة و لكن ذلك لا يدوم طول العمر،بل تعتريه الفترات،فتعود إليه الصفات البشرية،فتكون موجودة و لكن تكون مقهورة لا تقوى على حمل النفس على العدول عن العدل و عند هذا تنقسم القلوب إلى أربعة أقسام.قلب لا يحب إلا اللّه تعالى،و لا يستريح إلا بزيادة المعرفة به و الفكر فيه،و قلب لا يدرى ما لذة المعرفة،و ما معنى الأنس باللّه، و إنما لذته بالجاه،و الرئاسة.و المال،و سائر الشهوات البدنية،و قلب أغلب أحواله الأنس باللّه سبحانه،و التلذذ بمعرفته و الفكر فيه،و لكن قد يعتريه في بعض الأحوال الرجوع إلى أوصاف البشرية،و قلب أغلب أحواله التلذذ بالصفات البشرية،و يعتريه في بعض الأحوال تلذذ بالعلم و المعرفة.أما الأول فإن كان ممكنا في الوجود فهو في غاية البعد.
و أما الثاني:فالدنيا طافحة به.و أما الثالث و الرابع:فموجودان،و لكن على غاية الندور.و لا يتصور أن يكون ذلك إلا نادرا شاذا.و هو مع الندور يتفاوت في القلة و الكثرة إنما تكون كثرته في الأعصار القريبة من أعصار الأنبياء عليهم السّلام.فلا يزال يزداد