إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠١ - قسمة خامسة
الحيوانات،و بدنية مشتركة مع جميع الحيوانات.أما العقلية فكلذة العلم و الحكمة.
إذ ليس يستلذها السمع،و البصر،و الشم،و الذوق،و لا البطن و لا الفرج،و إنما يستلذها القلب،لاختصاصه بصفة يعبر عنها بالعقل.و هذه أقل اللذات وجودا،و هي أشرفها أما قلتها فلأن العلم لا يستلذه إلا عالم،و الحكمة لا يستلذها إلا حكيم،و ما أقل أهل العلم و الحكمة،و ما أكثر المتسمين باسمهم،و المترسمين برسومهم.و أما شرفها فلأنها لازمة لا تزول أبدا،لا في الدنيا و لا في الآخرة،و دائمة لا تمل.فالطعام يشبع منه فيمل، و شهوة الوقاع يفرغ منها فتستثقل ،و العلم و الحكمة قط لا يتصوّر أن تمل و تستثقل.و من قدر على الشريف الباقي أبد الآباد،إذا رضي بالخسيس الفاني في أقرب الآماد،فهو مصاب في عقله،محروم لشقاوته و إدباره.و أقل أمر فيه أن العلم و العقل لا يحتاج إلى أعوان و حفظة،بخلاف المال .إذ العلم يحرسك،و أنت تحرس المال.و العلم يزيد بالإنفاق،و المال ينقص بالإنفاق،و المال يسرق،و الولاية يعزل عنها،و العلم لا تمتد إليه أيدي السراق بالأخذ،و لا أيدي السلاطين بالعزل،فيكون صاحبه في روح الأمن أبدا،و صاحب المال و الجاه في كرب الخوف أبدا.ثم العلم نافع،و لذيذ،و جميل،في كل حال أبدا و المال تارة يجذب إلى الهلاك،و تارة يجذب إلى النجاة.و لذلك ذم اللّه تعالى المال في القرءان في مواضع،و إن سماه خيرا في مواضع .و أما قصور أكثر الخلق عن إدراك لذة العلم، فإما لعدم الذوق،فمن لم يذق.لم يعرف و لم يشتق،إذ الشوق تبع الذوق،و إما لفساد أمزجتهم،و مرض قلوبهم بسبب اتباع الشهوات،كالمريض الذي لا يدرك حلاوة العسل و يراه مرا،و إما لقصور فطنتهم،إذ لم تخلق لهم بعد الصفة التي بها يستلذ العلم،كالطفل الرضيع الذي لا يدرك لذة العسل و الطيور السمان،و لا يستلذ إلا اللبن.و ذلك لا يدل على أنها ليست لذيذة،و لا استطابته اللبن تدل على أنه ألذ الأشياء.فالقاصرون عن درك لذة العلم و الحكمة ثلاثة:إما من لم يحي باطنه كالطفل ،و إما من مات بعد الحياة باتباع الشهوات،و إما من مرض بسبب اتباع الشهوات.و قوله تعالى فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [١]إشارة إلى مرض العقول.و قوله عز و جل لِيُنْذِرَ مَنْ كٰانَ حَيًّا [٢]إشارة إلى من لم يحي
[١] البقرة:١٠
[٢] يس:٧٠