فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٠ - المرأة والولاية السياسية والقضائية آية اللّه الشيخ محمّد مهدي الآصفي

منها مع الكتاب والسنّة الثابتة فهو الصحيح ، وما خالف الكتاب والسنة وتقاطع معهما فليس من دين اللّه‌ ، وما اشتبه علينا أمره في التطابق والتقاطع فنذره ونذر علمه لأهله .

وقد وردت في ذلك طائفة من الروايات تؤكّد هذه المنهجية العلمية في تمييز الصحيح من غيره . ولابد من أن نضيف : إن مهمة عرض الروايات على الكتاب والسنة عمل تخصّصي لا يتأتى إلاّ لأصحاب التخصّص من الفقهاء ، كالدراسة السندية للرواية .

قيمة المرأة وموقعها في الكتاب والسنة :

عندما نستعرض آيات القرآن الكريم والسنة الشريفة الثابتة المستفيضة لفظاً أو معنى في قيمة المرأة وموقعها في الإسلام ، نصل من خلال ذلك إلى رسم الإطار العام للتصور الإسلامي الصحيح لقيمة المرأة وموقعها الإنساني في الإسلام .

إنّ نظرة واحدة إلى هذه النصوص الإسلامية من الكتاب والسنة تمكّننا من تمييز ما صح وما لا يصح من الروايات الواردة في موقع المرأة وقيمتها في الإسلام (١٠٢).

نظرة في أحاديث نقصان عقل المرأة :

ورد حديث نقصان العقول في المصادر الإسلامية بسند مرسل أو ضعيف ، ولم نجد له طريقاً معتبراً في المصادر الحديثيّة .

وقد وجّهه بعضهم : بأن هذه المقولة وردت في خطاب لأمير المؤمنين (عليه ‌السلام) بعد معركة الجمل .

ولكن خصوصية المورد لا تخصص عموم الحكم الوارد في قوله (عليه ‌السلام) :


(١٠٢)وإليك هذه الآيات والروايات : عندما نقرأ القرآن الكريم نجد أن اللّه‌ تعالى يخبرنا أنه خلق الرجال والنساء من نفس واحدة وأعطاهما من مراتب الإنسانية والتقرب إليه تعالى قيمة واحدة ، وجعل التفاضل بينهم على أساس التقوى . وفي ذلك يصرح القرآن بأن اللّه‌ خلق الرجال والنساء من نفس واحدة : « . . . الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً. . . النساء : ١. وَاللّه‌ُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ. . . النحل :٧٢. وأسكنهما اللّه‌ تعالى الجنة معاً عند بدء الخلق : ويَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُما. . . الأعراف :١٩. فَغَرّهما الشيطان معاً ، ولم تكن المرأة أقرب إلى الشيطان من الرجل ، ولم يكن الشيطان أقوى عليها منه : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا. . .فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ... الأعراف :٢٠ـ٢٢. وقد أقسم الشيطان أن يغوي أبناء آدم أجمعين رجالاً ونساءً ، ولم يستثنِ منهم إلاّ عباد اللّه‌ المخلصين من الرجال والنساء : قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لاَءُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْْإَرْضِ وَلاَءُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْـمُخْلَصِينَ الحجر :٣٩و٤٠. ولا سلطان للشيطان على عباد اللّه‌ ، رجالاً ونساءً ، وإنما سلطان الشيطان على أوليائه : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ. . . الإسراء :٦٥، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ. . . النحل :١٠٠. والرجال والنساء في كل ذلك سواء . وكرّم اللّه‌ الإنسان ، إذ خلقه وسوّاه ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة بأن يقعوا له ساجدين : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ الحجر :٢٩، ولم يخص الرجال بهذا التكريم دون النساء . ووعد اللّه‌ الأبرار بالنعيم رجالاً ونساءً ، وأوعد الفجار بالجحيم رجالاً ونساءً من غير فرق : إِنَّ الْْإَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ الانفطار :١٣و١٤. ووعد الذين يعملون الصالحات من الجنسين الجنّة ، يقول تعالى : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. . . النساء :١٢٤. وساوى بين الرجال والنساء في العقل والفطرة والخلقة ، وحمّلهما معاً الأمانة الكبرى التي عجزت عنها الجبال الشامخات (انظر الآية ٧٢من سورة الأحزاب) ، وساوى بينهما في الغاية من الخلقة ، وهي العبادة والمعرفة (انظر الآية ٦٥من سورة الذاريات) . وساوى بينهما في الحياة الطيبة والجنة لمن يعمل منهما صالحاً : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ النحل :٩٧. وساوى اللّه‌ تعالى بين الجنسين في الاستجابة لدعائهم ، وفي العدل والإحسان إليهما : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ. . . آل عمران :١٩٥. وساوى اللّه‌ تعالى بين المؤمنين والمؤمنات فيما يؤتيهم من مغفرة وأجر عظيم إذا صلحوا وصلحت أعمالهم ، سواء منهم الذكور والإناث . فاستمع إليه تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللّه‌َ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللّه‌ُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً الأحزاب :٣٥. وساوى بين الرجال والنساء ممّن يعمل منهم الصالحات في دخول الجنة ، يقول تعالى : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. . . النساء :١٢٤. « . . . وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. . . غافر :٤٠. وجعل اللّه‌ الميزان في التفضيل بين الذكور والإناث والشعوب والقبائل : التقوى ، يقول تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّه‌ِ أَتْقَاكُمْ. . . الحجرات :١٣. وبيَّن اللّه‌ تعالى أنّ الرجال والنساء بعضهم يكمل بعضاً ، وبعضهم يستر بعضاً ، وكل من الجنسين ما لم ينضم إليه الجنس الآخر يعد ناقصاً ، لا يسدّ نقصه إلاّ أن ينضم إلى الجنس الآخر ، يقول تعالى : « . . . هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ. . . البقرة :١٨٧؛ أي كل من الجنسين يستر الجنس الآخر ، وكل منهما يحتاج إلى الآخر ، وفي الوقت نفسه يكمله . وقد جعل اللّه‌ تعالى العلاقة في المجتمع الإسلامي بين أفراد المجتمع ـ رجالاً ونساءً ـ علاقة الولاء ، وكل عضو في هذا المجتمع يدخل في شبكة علاقة الولاء ، فيكون بعضهم أولياء بعض نساءً ورجالاً ، يقول تعالى : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ. . . آل عمران :١٩٥. وقد روي في شأن نزول هذه الآية أن اُم سلمة قالت : يا رسول اللّه‌ ، ما بال الرجال يذكرون في الهجرة دون النساء ؟ فأنزل اللّه‌ هذه الآية . . . ومعنى الآية الكريمة : « أن بعضكم من بعض في النصرة والدين والموالاة » [مجمع البيان ٢ : ٩١٤، انتشارات ناصر خسرو ، طهران] . واعتبر رسول اللّه‌ النساء والرجال «شقائق» ، وقد تكرّرت هذه الكلمة في حديث رسول اللّه‌ (صلى‌ الله ‌عليه ‌و ‌آله ‌و سلم) . ففي الحديث عن رسول اللّه‌ (صلى‌ الله ‌عليه ‌و ‌آله ‌و سلم) : «إنّما النساء شقائق الرجال» ، و «إنّما هنّ شقائق الرجال» ، و «إنّ النساء شقائق الرجال» [السنن الكبرى (للبيهقي ) ١ : ١٦٨كنز العمال ١٦: ٤٨٢، عن كتاب المرأة والثقافة الدينية (لمهدي مهريزي ) : ٢٢] . ومعنى «الشقائق» : أنهن نظيرات للرجال في كل الخصال والقيم الإنسانية كافة ، إلاّ ما لابد فيه من الاختلاف ليتكامل به الجنسان . ويصف الإمام الصادق (عليه ‌السلام) المرأة المؤمنة التي إذا أنفقت أنفقت بمعروف وإن أمسكت أمسكت بمعروف ، بأنها من عُمّال اللّه‌ : «فتلك عامل (عاملة ظ) من عمّال اللّه‌ ، وعامل اللّه‌ لا يخيب ولا يندم» [وسائل الشيعة ١٤: ١٥، ح٦] . وجاء رجل إلى رسول اللّه‌ (صلى‌ الله ‌عليه ‌و ‌آله ‌و سلم) فقال : لي زوجة ، إذا دخلتُ تلقّتني ، وإذا خرجتُ شيّعتني ، وإذا رأتني مهموماً قالت لي : ما يهمك ؟ إن كنت تهتم للرزق فقد تكفل لك به غيرك ، وإن كنت تهتم لأمر آخرتك فزادك اللّه‌ هماً . فقال رسول اللّه‌ (صلى‌ الله ‌عليه ‌و ‌آله ‌و سلم) : «إن للّه‌ عُمّالاً ، وهذه من عُمّاله ، لها نصف أجر شهيد» [وسائل الشيعة ١٤: ١٧، ح ١٤] .