منها مع الكتاب والسنّة الثابتة فهو الصحيح ، وما خالف الكتاب والسنة وتقاطع معهما فليس من دين اللّه ، وما اشتبه علينا أمره في التطابق والتقاطع فنذره ونذر علمه لأهله .
وقد وردت في ذلك طائفة من الروايات تؤكّد هذه المنهجية العلمية في تمييز الصحيح من غيره . ولابد من أن نضيف : إن مهمة عرض الروايات على الكتاب والسنة عمل تخصّصي لا يتأتى إلاّ لأصحاب التخصّص من الفقهاء ، كالدراسة السندية للرواية .
قيمة المرأة وموقعها في الكتاب والسنة :
عندما نستعرض آيات القرآن الكريم والسنة الشريفة الثابتة المستفيضة لفظاً أو معنى في قيمة المرأة وموقعها في الإسلام ، نصل من خلال ذلك إلى رسم الإطار العام للتصور الإسلامي الصحيح لقيمة المرأة وموقعها الإنساني في الإسلام .
إنّ نظرة واحدة إلى هذه النصوص الإسلامية من الكتاب والسنة تمكّننا من تمييز ما صح وما لا يصح من الروايات الواردة في موقع المرأة وقيمتها في الإسلام .
نظرة في أحاديث نقصان عقل المرأة :
ورد حديث نقصان العقول في المصادر الإسلامية بسند مرسل أو ضعيف ، ولم نجد له طريقاً معتبراً في المصادر الحديثيّة .
وقد وجّهه بعضهم : بأن هذه المقولة وردت في خطاب لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد معركة الجمل .
ولكن خصوصية المورد لا تخصص عموم الحكم الوارد في قوله (عليه السلام) :
وإليك هذه الآيات والروايات :
عندما نقرأ القرآن الكريم نجد أن اللّه تعالى يخبرنا أنه خلق الرجال والنساء من نفس واحدة وأعطاهما من مراتب الإنسانية والتقرب إليه تعالى قيمة واحدة ، وجعل التفاضل بينهم على أساس التقوى . وفي ذلك يصرح القرآن بأن اللّه خلق الرجال والنساء من نفس واحدة : « . . . الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً. . . [النساء : ١]. وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ. . . [النحل :٧٢]. وأسكنهما اللّه تعالى الجنة معاً عند بدء الخلق : ويَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُما. . . [الأعراف :١٩]. فَغَرّهما الشيطان معاً ، ولم تكن المرأة أقرب إلى الشيطان من الرجل ، ولم يكن الشيطان أقوى عليها منه : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا. . .فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ... [الأعراف :٢٠ـ٢٢]. وقد أقسم الشيطان أن يغوي أبناء آدم أجمعين رجالاً ونساءً ، ولم يستثنِ منهم إلاّ عباد اللّه المخلصين من الرجال والنساء : قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لاَءُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْْإَرْضِ وَلاَءُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْـمُخْلَصِينَ [الحجر :٣٩و٤٠]. ولا سلطان للشيطان على عباد اللّه ، رجالاً ونساءً ، وإنما سلطان الشيطان على أوليائه : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ. . . [الإسراء :٦٥]، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ. . . [النحل :١٠٠]. والرجال والنساء في كل ذلك سواء . وكرّم اللّه الإنسان ، إذ خلقه وسوّاه ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة بأن يقعوا له ساجدين : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر :٢٩]، ولم يخص الرجال بهذا التكريم دون النساء . ووعد اللّه الأبرار بالنعيم رجالاً ونساءً ، وأوعد الفجار بالجحيم رجالاً ونساءً من غير فرق : إِنَّ الْْإَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار :١٣و١٤]. ووعد الذين يعملون الصالحات من الجنسين الجنّة ، يقول تعالى : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. . . [النساء :١٢٤]. وساوى بين الرجال والنساء في العقل والفطرة والخلقة ، وحمّلهما معاً الأمانة الكبرى التي عجزت عنها الجبال الشامخات (انظر الآية ٧٢من سورة الأحزاب) ، وساوى بينهما في الغاية من الخلقة ، وهي العبادة والمعرفة (انظر الآية ٦٥من سورة الذاريات) . وساوى بينهما في الحياة الطيبة والجنة لمن يعمل منهما صالحاً : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل :٩٧]. وساوى اللّه تعالى بين الجنسين في الاستجابة لدعائهم ، وفي العدل والإحسان إليهما : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ. . . [آل عمران :١٩٥]. وساوى اللّه تعالى بين المؤمنين والمؤمنات فيما يؤتيهم من مغفرة وأجر عظيم إذا صلحوا وصلحت أعمالهم ، سواء منهم الذكور والإناث . فاستمع إليه تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الأحزاب :٣٥]. وساوى بين الرجال والنساء ممّن يعمل منهم الصالحات في دخول الجنة ، يقول تعالى : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. . . [النساء :١٢٤]. « . . . وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. . . [غافر :٤٠]. وجعل اللّه الميزان في التفضيل بين الذكور والإناث والشعوب والقبائل : التقوى ، يقول تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ. . . [الحجرات :١٣]. وبيَّن اللّه تعالى أنّ الرجال والنساء بعضهم يكمل بعضاً ، وبعضهم يستر بعضاً ، وكل من الجنسين ما لم ينضم إليه الجنس الآخر يعد ناقصاً ، لا يسدّ نقصه إلاّ أن ينضم إلى الجنس الآخر ، يقول تعالى : « . . . هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ. . . [البقرة :١٨٧]؛ أي كل من الجنسين يستر الجنس الآخر ، وكل منهما يحتاج إلى الآخر ، وفي الوقت نفسه يكمله . وقد جعل اللّه تعالى العلاقة في المجتمع الإسلامي بين أفراد المجتمع ـ رجالاً ونساءً ـ علاقة الولاء ، وكل عضو في هذا المجتمع يدخل في شبكة علاقة الولاء ، فيكون بعضهم أولياء بعض نساءً ورجالاً ، يقول تعالى : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ. . . [آل عمران :١٩٥]. وقد روي في شأن نزول هذه الآية أن اُم سلمة قالت : يا رسول اللّه ، ما بال الرجال يذكرون في الهجرة دون النساء ؟ فأنزل اللّه هذه الآية . . . ومعنى الآية الكريمة : « أن بعضكم من بعض في النصرة والدين والموالاة » [مجمع البيان ٢ : ٩١٤، انتشارات ناصر خسرو ، طهران] . واعتبر رسول اللّه النساء والرجال «شقائق» ، وقد تكرّرت هذه الكلمة في حديث رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) . ففي الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) : «إنّما النساء شقائق الرجال» ، و «إنّما هنّ شقائق الرجال» ، و «إنّ النساء شقائق الرجال» [السنن الكبرى (للبيهقي ) ١ : ١٦٨كنز العمال ١٦: ٤٨٢، عن كتاب المرأة والثقافة الدينية (لمهدي مهريزي ) : ٢٢] . ومعنى «الشقائق» : أنهن نظيرات للرجال في كل الخصال والقيم الإنسانية كافة ، إلاّ ما لابد فيه من الاختلاف ليتكامل به الجنسان . ويصف الإمام الصادق (عليه السلام) المرأة المؤمنة التي إذا أنفقت أنفقت بمعروف وإن أمسكت أمسكت بمعروف ، بأنها من عُمّال اللّه : «فتلك عامل (عاملة ظ) من عمّال اللّه ، وعامل اللّه لا يخيب ولا يندم» [وسائل الشيعة ١٤: ١٥، ح٦] . وجاء رجل إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال : لي زوجة ، إذا دخلتُ تلقّتني ، وإذا خرجتُ شيّعتني ، وإذا رأتني مهموماً قالت لي : ما يهمك ؟ إن كنت تهتم للرزق فقد تكفل لك به غيرك ، وإن كنت تهتم لأمر آخرتك فزادك اللّه هماً . فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) : «إن للّه عُمّالاً ، وهذه من عُمّاله ، لها نصف أجر شهيد» [وسائل الشيعة ١٤: ١٧، ح ١٤] .