التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٦٧
حنظلة : "ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا ..." [١] وفي بعض الأخبار ورد الأمر بالافتاء صريحاً [٢] .
فدعوى أن الفقاهة والاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه لا عين ولا أثر له في الأعصار السالفة مما لا وجه له . ومعه لا موجب لاختصاص الآية المباركة بالحكاية والإخبار ، لشمولها الافتاء أيضاً كما عرفت . فدلالة الآية على حجية الفتوى وجواز التقليد مما لا مناقشة فيه .
ومنها : قوله عزّ من قائل : (فاسئلوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون )[٣] حيث دلت على وجوب السؤال عند الجهل ، ومن الظاهر أن السؤال مقدمة للعمل فمعنى الآية المباركة : فاسألوا أهل الذّكر لأجل أن تعملوا على طبق الجواب ، لا أن المقصود الأصلي هو السؤال في نفسه لوضوح أنه لغو لا أثر له ، فلا مصحح للأمر به لو لم يكن مقدمة للعمل . فتدلنا الآية المباركة على جواز رجوع الجاهل إلى العالم وهو المعبّر عنه بالتقليد ، وعلى حجية فتوى العالم على الجاهل ، لأنه لو لم يكن قول العالم حجة على السائل لأصبح الأمر بالسؤال عنه لغواً ظاهراً .
ودعوى أن المراد بها وجوب السؤال عنهم حتى يحصل العلم للسائل من أجوبتهم ويعمل على طبق علمه ، وأن معنى الآية : فاسألوا لكي تعلموا فتعملوا بعلمكم ، من البعد بمكان وذلك لأن مثل هذا الخطاب إنما هو لبيان الوظيفة عند عدم العلم والمعرفة فهو في قبال العلم بالحال ، لا أنه مقدمة لتحصيل العلم ، مثلاً يقال : إذا لست بطبيب فراجع الطبيب في العلاج ، فإن المتفاهم العرفي من مثله أن الغاية من الأمر بالمراجعة ، إنما هو العمل على طبق قول الطبيب ، لا أن الغاية صيرورة المريض طبيباً وعالماً بالعلاج حتى يعمل على طبق علمه ونظره ، فقوله راجع الطبيب ، معناه : راجعه لتعمل على نظره لا لتكون طبيباً وتعمل بعلمك .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] وسائل الشيعة ٢٧ : ١٣٦ / أبواب صفات القاضي ب ١١ ح ١ .
[٢] كأمره (عليه السّلام) لأبان بن تغلب حيث قال : اجلس في مسجد المدينة وافت الناس ... راجع رجال النجاشي ص ٧ .
[٣] الأنبياء ٢١ : ٧ .