التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ١٤٢
أحدهما : مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها من الأخبار المشتملة على الترجيح بالأورعية في باب القضاء ، بدعوى دلالتها على أن اللاّزم عند المعارضة هو الأخذ بما يقوله أورعهما .
ثانيهما : الاجماع على أن العامّي ليس له العمل بالاحتياط بل دائماً لا بدّ أن يستند في أعماله إلى فتوى من يجوز تقليده من المجتهدين ، كما لعلّه ظاهر كلام بعضهم . وهذا يقتضي الترجيح بالأورعية على ما يأتي تقريبه .
وكلا الوجهين غير قابل للمساعدة عليه :
أما الاستدلال بالمقبولة ونحوها : فلأنها واردة في القضاء وقد ذكرت الأورعية مرجحة فيها للحكمين ، وأين هذا مما نحن فيه أعني ما إذا تعارضت فتوى الأورع لفتوى غير الأورع مع تساويهما في الفضيلة . وقد قدّمنا أن المرجح في باب الحكومة لا يلزم أن يكون مرجحاً في باب التقليد أيضاً لأنه قياس ولا نلتزم بالقياس .
ويقرّب ما ذكرناه أن المقبولة ونحوها قد اشتملت على الترجيح بالأعدلية والأفقهية والأصدقية والأورعية ، وظاهرها أن كلاً من تلك الصفات مرجح بالاستقلال ، لا أن المرجح مجموعها وإن كانت قد جمعت في البيان ، وعليه لو قلنا بشمولها للفتويين المتعارضتين فلا مناص من الحكم بتساقطهما فيما إذا كان أحد المجتهدين أفقه مثلاً والآخر أورع ، لاشتمال كل منهما على مرجح فيتساقطان . وهذا لا يلتزم به الخصم فإن الأعلم هو المتعين عند التعارض وإن كان غير الأعلم أورع . وهذ قرينة كاشفة عن أن المقبولة ونحوها غير شاملة للفتويين المتعارضتين ، هذا مضافاً إلى ما تقدم من أن المقبولة ضعيفة السند .
وأما الاجماع المدعى : فإن قلنا إنه تام في نفسه فلا مناص من أن تكون الأورعية مرجحة في المقام ، لأن العامّي مكلف حينئذ بالرجوع إلى أحد المجتهدين المتساويين في الفضيلة ، فإذا كان أحدهما أورع كما هو الفرض دار الأمر بين أن تكون فتوى كل منهما حجة تخييرية ، وأن تكون فتوى الأورع حجة تعيينية ، وقد قدّمنا سابقاً أن الأمر في الحجية إذا دار بين التعيين والتخيير وجب الأخذ بما يحتمل تعينه للقطع بحجيته والشك في حجية الآخر ، وقد مرّ غير مرة أن الشك في الحجية يساوق القطع