التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٢٣٢
أمر يعرفه كل عارف باللسان ، وأنها كما بيّناه عبارة عن الاستقامة العملية في جادة الشرع ، والأنظار العرفية وتسامحاتهم إنما تتبع في مفاهيم الألفاظ ، فإن التوسعة والتضييق في استفادة المفاهيم من ألفاظها راجعان إلى العرف ، ومن هنا نرتب آثار الماء على المياه الممتزجة بالزاج والجص وغيرهما مما لا يخلو منه الماء عادة ، وكذا آثار الذهب على ما هو ذهب وغيره ، وذلك لأن مفهوم الماء والذهب عند إطلاقهما أعم من الخالص والخليط بغيرهما بمقدار يسير . وأما تطبيق المفاهيم العرفية على مصاديقها ومواردها فلم يقم فيه أيّ دليل على اعتبار النظر العرفي وفهمه . وقد ذكرنا أن مفهوم العدالة أمر يعرفه أهل اللسان ، ومع وضوح المفهوم المستفاد من اللفظ لا يعبأ بالتسامحات العرفية في تطبيقه على مصاديقه ، ومن هنا لا يعتنى بتسامحاتهم في المفاهيم المحددة كثمانية فراسخ في السفر الموضوع لوجوب القصر في الصلاة ، وسبعة وعشرين شبراً في الكر ونحوهما ، حيث يعتبر في القصر أن لا يكون المسافة أقل من ثمانية فراسخ ولو بمقدار يسير لا يضر في إطلاق الثمانية لدى العرف ، وكذا يعتبر في الكر أن لا يكون أقل من سبعة وعشرين شبراً ولو باصبع وهكذا . وحيث إن مفهوم العدالة أمر غير خفي فلا مناص من أن ينطبق ذلك على مصاديقه انطباقاً حقيقياً عقلياً ، ولا يكفى فيه التطبيق المسامحي العرفي بوجه .
وعلى هذا نقول : إذاكان ارتكاب الصغيرة لا عن عذر وغفلة فلا شبهة في أنه يوجب الفسق والانحراف ، ويمنع عن صدق الخيّر والعفيف والكاف بطنه وغيرها من العناوين الواردة في الأخبار . وأما إذا كان عن غفلة فلا كلام في أن ارتكابها غير مضر للعدالة ، لأنه من الخطأ المرفوع في الشريعة المقدسة من دون فرق في ذلك بين الكبائر والصغائر .
وأما إذا كان عن عذر عرفي فإن بلغ ذلك مرتبة يراه الشارع أيضاً عذراً في الارتكاب ، كما إذا بلغ مرتبة العسر والحرج ، نظير ما لو قدّم له الظالم ماءً متنجّساً وهدّده بضربه أو هتكه أو إخراجه عن البلد على تقدير مخالفته ، جاز له ارتكابه ولم يكن ذلك موجباً للفسق والانحراف أيضاً بلا فرق في ذلك بين الكبيرة والصغيرة . وأما لو لم يبلغ العذر العرفي مرتبة يراه الشارع معذّراً فلا مناص من الحكم بحرمة ارتكابه