التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ١١
طبقه ، إذ لا عبرة بالظن في الشريعة المقدسة ، بل قد نهى الله سبحانه عن اتّباعه في الكتاب العزيز وقال عزّ من قائل : (وما يتّبع أكثرهم إلاّ ظنّاً إن الظنّ لا يغني من الحق شيئاً ) [١] وقال : (يا أ يّها الّذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظّن ... ) [٢] إلى غير ذلك من الآيات .
وأمّا تحصيل الحجّة على الأحكام فهو مما لا بدّ منه عند كل من اعترف بالشرع والشريعة ، لبداهة أن الأحكام الشرعية ليست من الاُمور البديهية الّتي لا يحتاج إثباتها إلى دليل . نعم ، قد يقع الخلاف في بعض المصاديق والصغريات ، مثلاً لا يرى الاُصولي شيئاً حجة وهو حجة عند المحدّثين ، أو بالعكس إلاّ أنه غير مضرّ بالاتفاق على كبرى لزوم تحصيل الحجة على الحكم ، كيف فانه قد وقع نظيره بين كل من الطائفتين ، فترى أن المحدّث الاسترابادي يرى عدم حجية الاستصحاب في الأحكام الكلّية إلاّ في استصحاب عدم النسخ [٣] ويرى غيره خلافه ، هذا كلّه في الاجتهاد .
وكذلك الحال في التقليد ، إذ لا موقع لاستيحاش المحدّثين منه لأنه على ما فسّرنا الاجتهاد به من الاُمور الضرورية والمرتكزة عند العقلاء ، حيث إن من لا يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم الشرعي أو أنه تمكن ولكنه لم يتصد لتحصيلها جاهل به كما أن من حصّلها عالم بالحكم ، وجواز رجوع الجاهل إلى العالم من الضروريات الّتي لم يختلف فيها إثنان ، وهو أمر مرتكز في الأذهان وثابت ببناء العقلاء في جميع الأعصار والأزمان .
والمتحصل إلى هنا : أن الاجتهاد بمعنى تحصيل الظن بالحكم الشرعي كما يراه المحدّثون بدعة وضلال ، إلاّ أن الاُصوليين لا يريدون إثباته وتجويزه ولا يدّعون وجوبه ولا جوازه بوجه ، بناءاً على عدم تمامية مقدمات الإنسداد ـ كما هو الصحيح ـ وأمّا الاجتهاد بمعنى تحصيل الحجة على الحكم الشرعي فهو أمر لا يسع المحدّث إنكاره وهو الّذي يرى الاُصولي وجوبه . فما أنكره المحدّثون لا يثبته الاُصوليون كما أن ما
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] يونس ١٠ : ٣٦ .
[٢] الحجرات ٤٩ : ١٢ .
[٣] الفوائد المدنية : ١٤١ ـ ١٤٣ .