التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٢٢٩
الثاني : أن الصغائر مورد لعفو الله سبحانه وقد وعد العفو عنها على تقدير التجنب عن الكبائر وقال عزّ من قائل : (إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم ... )[١] ومع الوعد بالعفو عن الصغيرة على التقدير المذكور كان ترك الكبائر كالتوبة مانعاً عن العقاب ، فلا يمكن أن يكون ارتكابها موجباً للفسق ومنافياً للعدالة وذلك لأن التوبة ـ وهي رافعة للمعصية وعقابها فإن التائب من ذنب كمن لا ذنب له ـ لا تجتمع مع الفسق أي لا تضر معها المعصية ، بالعدالة فما ظنك بالاجتناب عن الكبائر الّذي دافع للمعصية والعقاب ، لأنه يوجب العفو من الابتداء فهو لا يجتمع مع الفسق ، ولا تضر معه المعصية بالعدالة بطريق أولى ، فإن ارتفاع الفسق بالدفع أولى من ارتفاعه بالرفع ، والعدالة تزول بالكبيرة وتعود بالتوبة ، ولكنها لا تزول بالصغيرة من الابتداء .
وفيه : أوّلاً : منع التلازم بين العفو عن المعصية وعدم الفسق ، فإن الفسق كما اتضح في تفسير العدالة هو الخروج عن وظيفة العبودية والانحراف عن الجادة ، والعفو عنه أمر آخر غير مانع عن كونه فسقاً وانحرافاً ، فإن لله سبحانه أن يعفو عن أعظم المعاصي تفضلاً أو لشفاعة نبي أو وصي أو مؤمن أو لصدقة تصدّق بها أو احسان صنعه أو لغير ذلك من أسباب العفو والغفران ، إلاّ أن العفو عن أي معصية لا يمنع عن حصول الفسق بارتكابها . ويتضح ما ذكرناه بملاحظة الموالي العرفية وعبيدهم ، أفلا يعدّون مخالفة العبد وعصيانه لسيده عصياناً وتمرداً إذا كان السيد ممن لا يعاقب عبده بوجه ؟ فإن العفو شيء والفسق والانحراف بارتكاب الصغيرة شيء آخر ، فلا تلازم بين العفو وعدم الفسق أبداً .
وثانياً : هب أن العفو مانع عن الفسق ، إلاّ أنه لا سبيل لنا إلى احراز ذلك في من يرتكب الصغائر ، فإن العفو عنها قد علق في الكتاب العزيز على اجتناب الكبائر ومن أين لنا إحراز أن مرتكب الصغيرة لا يرتكب الكبائر طيلة حياته . وذلك فإن المراد بقوله عزّ من قائل : (ان تجتنبوا كبائر الاثم ... ) ليس هو الاجتناب عنها آناً ما ، لأنه أمر حاصل لكل شخص حتى لأفسق الفسقة بل المراد به الاجتناب عنها أبداً . نعم ، لا
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] النساء ٤ : ٣١ .