التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٢٢٧
الاصرار على الصغيرة بنفسه من الكبائر ولا صغيرة مع الاصرار . ومقتضى إطلاق كلام الماتن في المقام أن العدالة يعتبر فيها التجنب عن كل من الصغائر والكبائر وأن ارتكاب أي منهما قادح في تحققها . وذكر في المسألة الثانية عشرة من شرائط إمام الجماعة أن المعتبر في العدالة عدم الاصرار على الصغائر لا عدم ارتكابها أصلاً ، وهما كلامان متنافيان وما أفاده في المقام هو الصحيح ، ولا فرق بين المعاصي الكبيرة والصغيرة وأن ارتكاب أية معصية ينافي العدالة والاستقامة في جادة الشرع .
ويدلنا على ذلك ملاحظة نفس العدالة بمفهومها ، حيث إن ارتكاب المعصية على إطلاقها انحراف عن الجادة وتعد وطغيان وخروج عن زي العبودية ، ومانع عن كون مرتكبها خيّراً أو مأموناً أو عفيفاً أو غير ذلك من العناوين المتقدمة بلا فرق في ذلك بين الصغائر والكبائر ، وكذلك الحال بالإضافة إلى ستر العيوب ـ لو تمت الرواية المتقدمة ـ فإن ارتكاب الصغائر ينافي ستر العيوب ولا يتصف مرتكبها بأنه ساتر لعيوبه فإن المعصية من العيوب وكيف لا يكون معصية الله سبحانه عيباً وهي خروج عن وظيفة العبودية . فإذا فرضنا مثلاً أن أحداً يتطلع دار جاره وينظر إلى من يحرم عليه النظر إليه ، سلب ذلك عنه العفة والمأمونية والخير والصلاح فلا يقال إنه عفيف أو مأمون أو خيّر ، مع أنه من الصغائر التي لم يتوعد عليها بالنار في الكتاب . إذن نفس العدالة بمفهومها يقتضي عدم الفرق بين الكبائر والصغائر .
ومن هنا ذهب جمع إلى أن المعاصي كلّها كبيرة في نفسها فإن معصية الكبير كبيرة على كل حال ، وإنما تقسّم المعاصي إلى الصغائر والكبائر من جهة مقايستها بما هو أعظم منها ، وذلك لوضوح أن معصية الزنا أكبر وأعظم من معصية الغيبة ، كما أن معصية قتل النفس المحترمة أعظم من معصية الزنا وهكذا . وعلى الجملة المعاصي منافية للعدالة باطلاقها، هذا .
واستدل لما ذهب إليه المشهور من أن الصغائر غير قادحة في العدالة بوجوه :
الأوّل : وهو العمدة رواية عبدالله ابن أبي يعفور المتقدمة [١] لما ورد فيها من قوله : "وتعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار" بتقريب أن الاجتناب عن
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] راجع ص ٢٢٠ .