التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ١٣٧
الثالث : دعوى الاجماع على التخيير في المسألة .
وفيه : أنه إجماع منقول بالخبر الواحد ، ولا يمكننا الاعتماد عليه ، على أن الاتفاق غير مسلّم في المسألة ، لأنها من المسائل المستحدثة ولم يتعرض لها الفقهاء في كلماتهم فكيف يمكن معه دعوى الاجماع على التخيير بين المجتهدين المتساويين . بل لو فرضنا العلم باتفاقهم أيضاً لم يمكننا الاعتماد عليه ، إذ لا يحتمل أن يكون اتفاقهم هذا إجماعاً تعبدياً يستكشف به قول المعصوم (عليه السّلام) وإنما هو أمر مستند إلى أحد الوجوه المذكورة في المسألة . فالمتحصّل إلى هنا أن التخيير بين المجتهدين المتساويين لم يقم عليه دليل . بل الحجية التخييرية أمر غير معقول في مقام الثبوت .
الحجية التخييرية غير معقولة
لأنها بمعنى جعل الحجية على هذا وذاك يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين لأن مرجعه إلى أن الشارع قد اعتبر المكلف عالماً بالحرمة وعالماً بعدمها ، أو عالماً بحرمة شيء وعالماً بوجوبه ، ومن هنا قلنا إن اطلاق أدلة الحجية غير شاملة لكلتا الفتويين لاستلزام حجيتهما معاً الجمع بين الضدين أو النقيضين .
وأما الحجية التخييرية بمعنى جعل الحجية على الجامع بين الفتويين ، أعني عنوان أحدهما الّذي هو عنوان انتزاعي ، فهي أيضاً غير متصورة في المقام لأن التكليف بل الصفات الحقيقية كلها كالشوق والعلم وإن كان أمراً قابل التعلق للعناوين الانتزاعية كعنوان أحدهما الجامع بين فردين ، لأن الشوق يمكن أن يتعلق بأحد فعلين أو شيئين آخرين ، وكذلك العلم الاجمالي لأنه يتعلّق بأحدهما . بل قد التزمنا بذلك في الواجبات التخييرية ، وقلنا إن التكليف فيها إنما تعلّق بعنوان أحدهما وأن الفعل المأتي به في الخارج فرد للواجب لا أنه الواجب بنفسه ، إلاّ أن ذلك في الحجية أمر غير معقول ، لأنه لا معنى لاعتبار المكلف عالماً بالحرمة أو عالماً بعدمها ، واعتباره عالماً بوجوب شيء أو عالماً بحرمته ، لأنه معنى جعل الحجية على أحدهما .
على أ نّا ذكرنا في محلّه أن كلاً من المتعارضين ينفي معارضه بالالتزام . إذن يكون معنى الافتاء بحرمة شيء أنه ليس بواجب كما أن معنى الافتاء بوجوبه أنه ليس بحرام فالفتويان المتعارضتان بين نفي وإثبات ، وجعل الحجية على الجامع بين النفي والاثبات