التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ١٩٩
وفيه : أن هذا الاستصحاب وإن كان جارياً في نفسه لتمامية أركانه ، لما تقدم من أ نّا نحتمل أن تكون الشرائط المذكورة مما يكفي حدوثه في اتصاف الفتوى بالحجية بقاءً كما هو الحال في شرطية الحياة ، فلنا في المقام يقين بالحجية سابقاً ونشك فيها بحسب البقاء فلا مانع من استصحابها بعد زوال الشرائط وارتفاعها وهذا يقتضي عدم اعتبار الشرائط بقاءً . إلاّ أ نّا لا نلتزم بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، ومعه لا مناص من الحكم باعتبار الشرائط بحسب الحدوث والبقاء وذلك للشك في حجية الفتوى بعد زوال الشرائط ، والشك في الحجية يساوق القطع بعدمها ، إذ مع الشك فيها يقطع بعدم كون الفتوى معذّرة ولا منجّزة لتقوم الحجية بالوصول ، ومع عدم وصولها نقطع بعدمها .
أما الجهة الثانية : فالانصاف أن الأدلة الاجتهادية المستدل بها على حجية فتوى الفقيه غير قاصرة الشمول لصورة زوال الشرائط وارتفاعها ، وذلك لاطلاقها كما تقدم في شرطية الحياة . فإن مقتضى إطلاق قوله عزّ من قائل : (فلولا نفر ... ) أن إنذار الفقيه بعد استجماعه الشرائط يتصف بالحجية سواء أكان باقياً على تلك الشرائط بعد الانذار أم لم يكن ، وكذا غيره من الأدلة اللفظية فلاحظ .
وأما السيرة العقلائية فهي أيضاً كذلك ، لأنها جرت على رجوع الجاهل إلى العالم سواء في ذلك أن يكون العالم باقياً على علمه وخبرويته بعد الرجوع أم لم يكن ، مثلاً إذا راجعوا الطبيب وأخذوا منه العلاج والدواء وقد جن بعد ذلك لم يترددوا في جواز العمل على طبق معالجته ، ومعه لا بدّ من الحكم بأن الشرائط إنما تعتبر حدوثاً ولا تعتبر بحسب البقاء .
نعم ، ادعى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) الاجماع على أن الشرائط المذكورة كما أنها معتبرة بحسب الحدوث كذلك تعتبر في حجية الفتوى بقاءً [١] .
وفيه : أنه إجماع منقول لا ينبغي الاعتماد عليه ، ولا سيما مع ذهاب جمع إلى عدم اعتبارها بحسب البقاء ، لوضوح أن مع مخالفة الجماعة لا يبقى أيّ مجال لدعوى
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] رسالة في الاجتهاد والتقليد : ٦٨ .