التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ١٢٦
ذكرنا في محلّه [١] أن المتزاحمين إذا علمنا أهمية أحدهما لم يكن أي مسوّغ لرفع اليد عن الآخر المهم بالكلّية ، بل اللاّزم أن يرفع اليد عن إطلاقه فحسب ، فإن الضرورات تتقدر بقدرها ، والتنافي بينهما يرتفع بتقييد إطلاق المهم بما إذا ترك الاتيان بالأهم فلا مقتضي لرفع اليد عن المهم رأساً ، ومن هنا ذكرنا أن الترتب أمر ممكن وأنه على طبق القاعدة ، إذ لا منافاة بين الأمر بالأهم على نحو الاطلاق وبين الأمر بالمهم على تقدير ترك الأهم ، هذا إذا علمنا أهمية أحدهما معيناً .
وأما إذا كانا متساويين فلا مناص من رفع اليد عن الاطلاق في كليهما وتقييده بما إذا لم يأت بالآخر ، إذ بذلك يرتفع التنافي بينهما وهو الترتب من الجانبين وتكون النتيجة أن المكلف مخيّر بينهما .
وأما إذا احتملنا الأهمية في أحدهما المعيّن دون الآخر فاطلاق ما لا يحتمل أهميته مقيّد لا محالة . وأما إطلاق ما نحتمل أهميته فلا علم لنا بتقييده ، لأنه على تقدير كونه أهم يبقى إطلاقه بحاله كما أنه يقيد إذا كان مساوياً مع الآخر ، فإذا شككنا في ذلك فلا مانع من التمسك باطلاقه لعدم العلم بورود التقييد عليه ، هذا كلّه في كبرى المسألة .
وأما تطبيقها على محل الكلام فلا شبهة في أن الأهمية غير محرزة في فتوى الأعلم وإلاّ لتعيّن الرجوع إليه ، إذ الكلام فيما إذا لم نعلم بذلك وشككنا في تعيّنه إلاّ أن احتمال الأهمية موجود بالوجدان وهذا بخلاف فتوى غير الأعلم إذ لا يحتمل فيها الأهمية بوجه . إذن لا مانع من التمسك باطلاق الأدلة المتقدمة القائمة على حجية فتوى الفقيه لعدم العلم بتقييدها بالإضافة إلى فتوى الأعلم ، كما علمنا بتقييدها بالإضافة إلى فتوى غير الأعلم ، ومع وجود الدليل الاجتهادي والاطلاق لا تصل النوبة إلى الأصل العملي حتى يقال : إن احتمال فعلية الأمر باتباع فتوى الأعلم مندفع بالبراءة لقبح العقاب من دون بيان .
مضافاً إلى أن البراءة غير جارية في نفسها ، وذلك لأن العقل كما أنه يستقل بقبح مخالفة التكليف وعصيانه كذلك يستقل بقبح تفويت الملاك ، وقد فرضنا أن اتباع كل
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] محاضرات في اُصول الفقه ٣ : ١٢٠ .