ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٦٩ - الانحراف المركب
انقلاب المقاييس أكثر من ذي قبل ، حتّى ينقلب الإنسان فيكون هو مقياساً كاملاً للحق ، فما يعمله هو الحق وما يتركه هو الباطل ، وما يريده هو الحق وما يعارضه ويرفضه هو الباطل ، ويكون ( الأنا ) هو المقياس للحقّ وليس ( الحقّ ) هو المقياس للأنا .
والقرآن يصف هؤلاء بأوصاف عجيبة تستوقف الإنسان ، وتدعو إلى كثير من التأمّل والتفكير .
فهو يقول لهم أوّلاً : ( الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا ) ، وهذه حالة تخصّ الحياة الدنيا ، فيضيع سعيهم ، وضياع السعي بانتفاء الأثر والفائدة المترتبة على السعي ، فإنّ السعي كالحرث يؤتي ثماره طيّبة شهيّة إذا أراد الله تعالى لها الخير وبارك فيه ، ويكون مبتوراً عقيماً إذا سلب الله تعالى منه الخير والبركة ، كذلك ( السعي ) و( الحركة ) إذا سلب الله تعالى منه الخير والبركة كان جهداً ضائعاً وسعياً ضالاً .
ويعبّر القرآن عنهم ثانياً بـ : ( الأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ) وهذه أيضاً حالة تخصّ الدنيا ، والخسارة هي أن يفقد الإنسان جهده وحياته وحركته دون أن يأتي له ذلك بنتيجة أو ثمرة ، وجهد الإنسان وحركته وعمره هو ( رأس ماله ) الذي يتاجر به ويحوّله إلى ( مرضاة الله ) و ( قرب الله ) و ( ثواب الآخرة ) .
وكل جهد وحركة وساعة من عمر الإنسان لا يتحوّل إلى هذه النتائج فهو خسارة للعمر والجهد ، وكأنَّ مَثَل هذا الإنسان مَثل التاجر الذي ينفق رأس ماله دون أن يعود عليه بأيّ شيء ، وهذه هي الخسارة الكبيرة التي تشير إليها سورة العصر : ( وَالْعَصْرِ * إِنّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ ) .
ولكنّ القرآن الكريم لا يقتصر هنا ـ في تصوير مأساة الإنسان ـ على هذا الحدّ ، وإنّما يتجاوز ذلك ويصف مأساة الإنسان في هذه الحالة بـ : ( الأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ) ، بصيغة أفعل التفضيل . وسبب تكريس حالة الخسارة هذه أنّ جهد الإنسان وسعيه وحركته ليس فقط يضيع ، وإنّما يتحوّل إلى ضدّه ، فيتحوّل جهد الإنسان إلى عذاب الله وعقابه وغضبه عوض أن يتحوّل إلى رحمة الله وقربه ورضوانه وجنّته .
كمن ينفق