ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٤٢ - أسلوبان في الرؤية
أجل ليس نصراً فقط يوم يقوم الأشهاد وإنّما في الحياة الدنيا أيضاً .
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدّ قُوّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) .
( فَلَمّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ * فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنّتَ اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) ، [ غافر : ٨٣ ـ ٨٥ ] .
ترى كيف يستعرض القرآن مسيرة الشرك والظلم استعراضاً واسعاً ، ويطويها طيّاً سريعاً ، ويعلن بأنّ عاقبتهم كان الخسران والهلاك ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون ، وإنّ هذه العاقبة لم تكن عن عجز أو ضعف مادي منهم ، فقد كانوا أشدّ من مشركي عصر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ـ قوّة وآثاراً في الأرض ـ ومع ذلك فلم تغنِ عنهم قوّتهم شيئاً وأدركهم العذاب والهلاك .
ثمّ يعلن القرآن أنّ ذلك لم يكن عن صدفة ، ولم يحدث عفواً ، وإنّما هو سنّة ثابتة لله تعالى في الذين كفروا وعتوا عن أمر ربهم جميعاً من دون استثناء : ( سُنّتَ اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) ، ثمّ استمع إلى هذه الآيات المباركات من سورة فاطر :
( وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لّيَكُونُنّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مّا زَادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السّيّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ سُنّتَ الأَوّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السّماوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً ) ، [ فاطر : ٤٢ ـ ٤٤ ] .
إنّهم نفروا من الأنبياء نفوراً لمّا جاءوهم استكباراً في الأرض ومكر السيّء ، ثمّ يبين القرآن بعد ذلك مباشرة السنّة الإلهية القائمة في الذين يمكرون