ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٥٠ - وحدة المسيرة وطول النفس في العمل
ورثوا من مجد الآباء وجهدهم وعملهم وتراثهم ، كما أنّ عليهم أن يوَرِّثوا أبناءهم هذا التراث والمجد ؛ فإنّ هذه المسيرة سلسلة واحدة ، مهمّتها واحدة ، ومنطلقها واحدٌ ، وغايتها واحدةٌ ، وخطّها واحدٌ ، مهما تعددت حلقاتها ، وهي تشكّل في التاريخ الحضاري أسرة واحدة بالدقّة .
وليس من المفروض في الأسرة الواحدة ، في مسير التاريخ ، أن تتحقق أهدافها مرّة واحدة ، وأن يبلغ كل حلقة من حلقاتها كل أهداف السلسلة ، وإنّما الذي يجري في مثلها أن يمهِّد كل حلقة من حلقاتها للحلقة التي تأتي من بعدها ، وتُعَد هذه الحلقات جميعاً للغاية العليا التي تعمل لها ، فيشعر كل عضو في هذه المسيرة أنّه حلقة واحدة من حلقات كثيرة في سلسلة مباركة ممتدة من آدم (عليه السلام) إلى أن يأذن الله تعالى للدنيا بالانتهاء .
فيطول نفس الداعية في العمل ، وطُول النفس من أهمّ عوامل الثبات والنصر ، فهو لا يعمل ليقتطف ثمار عمله في حياته القصيرة ، وإنّما يعمل ضمن سلسلة ممتدة طويلة من العاملين الدعاة إلى الله ، ويكفيه أن يجني ثمار عمله الجيل الرابع ، أو العاشر ، أو أكثر أو أقل من بعده ، وأنّ الداعية إلى الله لَيُحقق كل أهدافه إذا كان يحصد أبناؤه أو أبناء أبنائه حصاد عمله ، كما أنّه هو يجني ثمار جهود أسلافه وآبائه .
وليس كذلك من يعمل لغير الله ، وعلى غير هذه المسيرة ؛ فهو يعمل لنفسه وللحظة المتعة وليجني ثمرة عمله في خلال عمره القصير، ومن الطبيعي أن يكون نَفسُه قصيراً في العمل .
ولقد كنّا نقرأ في القصص الحَكَمية القديمة : ( أنّ مَلِكاً مرّ على شيخٍ طاعن في السن يغرس فسيلاً للنخل ، فوقف عنده متعجباً يسأله : لمن يغرس هذا الفسيل ، وهو في هذا الحدّ من العمر ؟ فأجابه الفلاّح الطاعن في السن : أيّها الملك غرس آباؤنا فأكلنا ، ونغرس نحن ليأكل أبناؤنا . فأعجب الملكَ جوابُه ... إلى آخر القصة ) .
والأمر لَكذلك في مسيرة الحضارة الإلهية المورُوثة من نوح وإبراهيم