ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٣٠ - الهدى والهوى
الهدى والهوى :
يقول الشاطبي : ( قد جعل الله اتّباع الهوى مضاداً للحق ، وعدّه قسيماً له ، كما في قوله تعالى : ( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّه ) الآية .
وقال في قسيمه : ( وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) .
وقال : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) .
فقد حصر الأمر في شيئين : الوحي ـ وهو الشريعة ـ والهوى ، فلا ثالث لهما .
وإذا كان الأمر كذلك فهما متضادّان ، وحين تعيّن الحقّ في الوحي ، توجّه للهوى ضدّه ، فاتّباع الهوى مضادّ للحقّ .
وقال تعالى : ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللّهُ عَلَى عِلْمٍ ) .
وقال : ( أُولئِكَ الّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) .
وقال : ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِن رَبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتّبَعُوا أَهْوَاءَهُم ) .
فهذا كلّه واضح في أنّ قصد الشارع الخروج عن اتّباع الهوى . [١]
وعندما يلتبس الأمر على الإنسان بسبب الهوى ، فليس أفضل من أن يستهدي الإنسان بهدي من سبقه من الأنبياء والصدّيقين على هذا الطريق الطويل ؛ فإنّ الشيطان يتربص بالإنسان الدوائر عند كلّ منعطف من منعطفات الطريق ليضلّله وليدفعه عن الصراط المستقيم إلى متاهات الطريق .
فإذا مشى الإنسان لوحده على هذا الطريق لا يأمن الشيطان والهوى ، ولكن عندما يضع خطاه على مواضع خطى الأنبياء والمرسلين ، ويربط نفسه بهذه المسيرة الربّانية في التاريخ ، ينجو من وساوس الشيطان وإغراء الهوى ، فلا ينالان
[١] سفينة البحار ، للشيخ عباس القمّي ٢ : ٥٥ ، ( مادّة قوم )