ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٢٦ - تعميق الإحساس بالوراثة
واحد ، والمسيرة واحدةٌ ، والغاية واحدة .
ويرتبط المؤمنون السائرون على هذه المسيرة الربانية الواحدة ، على اختلاف العصور ، بصلات قربى وشيجة ، فيكون بعضهم من بعض ، وهم جميعاً يشكِّلون أسرة توحيدية واحدةً في الأرض ، ويرتبط أعضاء هذه الأسرة ببعض بأوثق الصلات والوشائج ، تأمّلوا في هذه الآية الكريمة في نهاية سورة الحجّ :
( وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النّصِيرُ ) ، [ الحج : ٧٨ ] .
وترسم لنا هذه الآية العجيبة المسيرة الحضارية التي تولَّى القيمومة عليها من قبْلنا أبونا إبراهيم (عليه السلام) ، ثمّ كان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على هذا الخط شهيداً وقيماً على الناس فيما بعد ، ونحن اليوم شهداء في هذا الخط على الناس .
وقوام هذا الخط إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والاعتصام بحبل الله . والله تعالى هو مولانا ويتولّى أمورنا جميعاً .
وتَستَوقفنا هذه الكلمة القرآنية العجيبة طويلاً : ( مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) ، إنّها ليست بأُبوّة نسب ، فأيّة أُبوّة هذه التي يذكرها القرآن ؟ إنّها أُبوّة الحضارة الإلهية على وجه الأرض ، وأبوّة أسرة التوحيد ، ونحن اليوم أبناء إبراهيم (عليه السلام) وورثته ، وميراثنا منه هو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بحبل الله .
وشاهد الصدق على وحدة الخط ـ ووحدة الميراث ، ووحدة الحضارة ، ووحدة القيم ، ووحدة أسرة التوحيد في التاريخ ـ التصادق الموجود في مراحل الخطّ المختلفة ؛ فكلّ نبي يأتي يصدِّق مَن قبْله من الأنبياء ، رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) خاتم الأنبياء يصدّق كل من جاء قبله من الأنبياء والمرسلين من دون استثناء ، ومن دون تفريق .
( نَزّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْه ِ ) ، [ آل عمران : ٢ ] .