ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٩ - دورة التاريخ في سورة الأعراف
تَدْمِراً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) ، [ الإسراء : ١٦ ـ ١٧ ] .
وهذه هي نهاية الحضارة وسقوطها ، وهي نهاية دورة التاريخ ، وعندها يأذن الله تعالى بدورة جديدة للتاريخ ، فإنّ الأُمم إذا أفسدها المال والسلطان ، مدّ الله تعالى لها في المال والسلطان ، استدراجاً لها ، وإمعاناً في الاستدراج ، فتزداد فساداً وطغياناً ، وعند ذلك يسلبها الله تعالى ما أتاها من مال وسلطان مرّة واحدة ، وينتزع منها ما رزقها من النعمة .
ذلك أنّها توغل في الفساد ـ حالة الاستدراج ـ وينخر فيها الفساد من الداخل ، دون أن يظهر ذلك على السطح المرئي من حياتها ، فتفقد الضمير والعاطفة ، والقيم والأخلاق ، وتستولي عليها الأهواء والشهوات والنزوات ، حتى إذا نخِرت من الداخل بشكل كامل ، انهارت مرّة واحدة .
لهذا السبب فإنّ نهاية الدورة الحضارية السقوط والانهيار دائماً ، هو الموت الدُّفعي المفاجئ ، وليس الموت التدريجي ، بعكس الحال في ولادة الحضارات ونموّها ؛ فإنّها تتولّد وتنمو بصورة تدريجية .
والتعبير القرآني دقيق في هذا الأمر :
( وَدَمّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) ، [ الأعراف : ١٣٧ ] .
هكذا ، دمرناها مرّة واحدة .
( أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) ، [ الأعراف : ٩٨ ] .
ضحى ، وبصورةٍ مفاجئةٍ ، حيث يعيش الناس في أمان ، لا يتصورون أن يصيبهم من هذا الوباء شرٌ أو سوءٌ ، وهم في غيبهم وفي غفلتهم سادرون يلعبون ، وفجأةً يأتيهم بأس الله العزيز القهّار فلا ينجو منهم من أحد ، ولا يُمهَل أحداً أبداً.
دورة التاريخ في سورة الأعراف
والآيات التالية من سورة الأعراف توضح لنا دورة التاريخ هذه ، وسنن الله تعالى