ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٣٥ - رحلة الدعوة والمعاناة في سورة هود
رحلة الدعوة والمعاناة في سورة هود :
وسورة هود سورة عجيبة ٌفي هذا المضمار ، ولقد وددت أن أتلو السورة كلّها على القرّاء ؛ ففي هذه السورة ينعكس خط الدعوة إلى الله : ( أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ اللّهَ إِنّنِي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ) ، ممّا يعكس خط الإعراض والجحود : ( أَلاَ إِنّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخفُوا مِنْهُ ) .
ثمّ تبين السورة المباركة استدراج الله تعالى لهؤلاء المعرضين والمشركين وإمهالهم وتماديهم في غيّهم وطغيانهم : ( وَلَئِنْ أَخّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ) .
ولعل صدر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يضيق وسط هذا الإعراض والطغيان ، وتمادي القوم في غيّهم وضلالهم : ( فَلَعَلّكَ تَارِكُ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقُ بِهِ صَدْرُكَ ) .
لولا أن الله تعالى يذكِّر نبيه أنّ هؤلاء على كثرة عددهم وقوّتهم وطغيانهم لم يكونوا ليُعجزوا الله تعالى. ، وأنّ الله إن أمهلهم استدراجاً لهم فلن ينساهم ، ولن يفلتوا من قبضة قدرته وسلطانه تعالى : ( أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ) .
ثمّ ترسم السورة المباركة صورة حيّة لهذين الامتدادين والمعسكرين : الحضارة الإلهية ، والحضارة الجاهلية : ( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمّ وَالْبَصيرِ وَالسّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ) .
فمهما كَثُر عددهم ، وزادت قوّتهم ، فلا يزيدون على أن يكونوا كتلةً مهملةً من العمى والصمّ في مسار التاريخ ، وأنّ الجبهة الأخرى هي الجبهة الواعية ذات الإحساس والإدراك ( السمع والبصر ) ومهما كانت قوّة هذه الكتلة وحجمها فلن