ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ١٣ - حرِّية القرار
وتختلف لديهم الآراء والأهواء .
يقول (عليه السلام) :
( فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفتنة ، وتشتّت الأُلفة ، وتشعّبوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ) . [١]
ثمّ يتحدث الإمام بعد ذلك عن المرحلة الثالثة : مرحلة السقوط والانهيار ، حيث يسلبهم الله تعالى نِعمه كلّها ، ويفاجئهم بغضبه وبأسه ضُحى وهم يلعبون .
( قد خلع الله عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نِعمته ، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبرة للمعتبرين ) . [٢]
وهذه المحنة الأخيرة ، ليست من نوع ( ابتلاء التمحيص ) الذي كان يحضّ المؤمنين من عباد الله ، والذي كان يعدّ الأمة لميلاد حضاري جديد .
وإنّما هو نوع آخر من المحنة يعبر عنها القرآن الكريم بـ ( المَحْق ) في مقابل التمحيص ، وهو يخصّ الحضارات ( وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) ، [ آل عمران : ١٤١ ] .
وكلاهما من المحنة ، إلاّ أنّ أحدهما : مِحنة للتمحيص والتزكية والتطهير ، والآخر : محنة للمَحْق والهلاك والتدمير .
حرِّية القرار :
ولابدّ أن نشير في هذه النقطة من الحديث إلى مسألتين هامّتين ، لهما علاقة مباشرة بهذه الدورة الحضارية في التاريخ :
الأُولى : أنّ استتباع المال والقوّة للصلاح والتقوى قضية حتمية في مسير التاريخ .
[١] المصدر السابق ١ : ١٧٧.
[٢] الموافقات ، للشاطبي ٢ : ١٢١ .