ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ١٤ - حرِّية القرار
كما أنّ سقوط الحضارات وموتها وانهيارها بانتشار الفساد والأخلاق في الأمم قضية حتمية في هذا المسير ، ومن سنن الله الثابتة التي لا تتبدّل ، وليس للإنسان أن يغيّر هذه الحتميات التاريخية والسنن الإلهية في حركة الحضارة ودون التاريخ .
إنّها تشكّل الشطر الحتمي من دورة التاريخ ، وتَفْعَل وتؤثِّر بصورة حتمية ثابتة في حياة الإنسان دون أن تتبدّل أو تتغيّر أو تتحوّل .
فاستمع إليه تعالى في آياته البيّنات حيث يقول : ( سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مّقْدُور ) [ الأحزاب : ٣٨ ] .
( وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً ) [ الأحزاب : ٦٢ ] .
( وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً ) [ فاطر : ٤٣ ] .
( سُنّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنّتِنَا تَحْوِيلاً ) [ الإسراء : ٧٧ ] .
إلاّ أنّ حتمية هذه العوامل في حركة التاريخ لا تعني حتميّة حركة التاريخ ، فإنّ حركة التاريخ في النظرية الإسلامية ليست حركة حتمية ، وإنّما هي تابعة لتحرّك الإنسان وتوجّهه .
وذلك أنّ شطرين آخرين من الأجزاء المؤثّرة في تحريك التاريخ والحضارة هما من صُنع الإنسان وإرادته ، وهما حركة الإنسان نحو الصلاح أو حركته نحو الفساد .
إنّ تحرّك الإنسان بهذين الاتجاهين خاضع لاختيار الإنسان بشكل كامل ، وإن كان للابتلاء والتمحيص دورٌ مساعد معروف في توجيه الإنسان إلى الصلاح ، وللمال والسلطان دور مساعد معروف في إغراء الإنسان بالفساد .
لكن الإنسان يبقى مع ذلك كلّه ، صاحب القرار في الصلاح والفساد والاستقامة والضلال ، وتبقى له حريّة اتخاذ القرار والتوجّه في هذا الأمر بشكل كامل .
وحركة الإنسان نحو الصلاح أو الفساد مفتاح لكل الدورة التاريخية والحضارية في حياة الإنسان ، وتفسير كلّ التحولات الحضارية التي تحدث للإنسان .
وقد أعطى الله تعالى هذا المفتاح بيد الإنسان يتصرف به باتجاه الهدى أو