ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٦٨ - الانحراف المركب
المركّب ( تركيب من الانحراف والجهل ) ، وهذا أخطر من الانحراف الأوّل ؛ فإنّ الإنسان المنحرف يعتقد في هذه الحالة أنّه ليس بمنحرف ، وهذا التصوّر يفوّت عليه فرص العودة والاستقامة .
و( العُجب ) من أهمّ مصادر هذه الحالة من الانحراف المركب ، فإنّ الإنسان عندما يأخذه العجب بنفسه يرى القبيح الذي يصدر منه حسناً ، والسيئة التي يرتكبها حسنة ، ولا يسمح لأحد أن يراجعه في شيء من ذلك ، ولا يسمح لنفسه الشكّ والترديد في سلامة شيء من مواقفه وأعماله ، ويرى لنفسه ما يشبه العصمة ، وهذه الحالة كما ذكرنا أخطر حالات الانحراف ، وإلى هذه الحالة من الانحراف المركّب تشير الآية الكريمة :
( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولئِكَ الّذِينَ كَفَرُوا بَآيَاتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ) .
عندما يبلغ الإنسان هذه الدرجة من الانحراف تنحرف عنده الرؤية بشكلٍ كاملٍ فيتصوّر قبائح أعماله وسيئاته حسنات : ( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) ، وهذه حالة من حالات عمى العقل ، والقلب ، والبصيرة ، يفقد فيها الإنسان القدرة على التمييز بين الحق والباطل ، كما يفقد المصابون بعمى الألوان القدرة على تمييز بعض الألوان .
بل ( العمى ) في حالة العجب أخطر ، حيث لا يفقد فيها الإنسان الرؤية فقط ، وإنّما تنعكس فيها الرؤية فيرى القبيح منه حسناً ، ويرى الحسن من غيره قبيحاً . وتسبّب هذه الحالة من العمى ، وفقدان القدرة على التمييز ، انقلاب المقاييس عند الإنسان في حالة ( العُجب ) .
فإنّ الإنسان في حالة الرشد والاستواء يجعل من الحقّ مقياساً لنفسه وأعماله ومواقفه ، ويطبّق نفسه وأخلاقه وسلوكه ومواقفه دائماً على هذا المقياس ، فيستقيم ويصحح أعماله ومواقفه كلّما تعرّض لخطأ أو انحراف .
وكلّما يتقدم الإنسان في ( العُجب ) أكثر تتعمّق في نفسه هذه الحالة من