ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ١٩ - الولادة الجديدة
( يَا أَيّهَا الإنسان إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) . [١]
وعن هذه الولادة الجديدة يعبّر القرآن الكريم بثلاث تعبيرات ، وهي تعبيرات دقيقةٌ وبليغةٌ في تفهّم سنن الله تعالى ، وهذه التعابير هي :
( الاستبدال ) و ( الاستخلاف ) و ( الإرث ) .
يقول تعالى : ( وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً ) ، [ الإنسان : ٢٨ ] .
( إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) ، [ التوبة : ٣٩ ] .
[١] هذه الآية الكريمة تشير إلى معنى لطيف ودقيق ؛ فليس المقصود بالإنسان في هذه الآية ( الفرد ) ، فليس كل فرد يَلقى الله تعالى ، وليس كل فرد يكدح إلى الله ، والآية الكريمة صريحة في المعنيين معاً ، الكدح ولقاء الله : ( إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) .
وتفسير لقاء الله بالموت تفسير غير دقيق ؛ فليس كل من يموت يلقى الله تعالى ، ففي ( لقاء الله ) من السمو والعلو ما ليس في الموت ، وهل يصح أن يكون في موت المجرمين والساقطين ( لقاء الله ) تعالى ، بما تحمل هذه الكلمة من رقّة وسمو .
وليس كل من يموت يكدح إلى الله كدحاً ، وما أكثر ما يموت الناس وهم لم يعرفوا الله تعالى ، ولم يكدحوا إليه عز شأنه طرفة عين ، فلا يجوز ـ إذن ـ أن يكون المقصود من الإنسان ( الفرد ) .
ولا يصح أن يكون المقصود من الإنسان الأمم والجماعات ، فما أكثر الأمم والجماعات التي تعثّرت وسقطت وهلكت دون أن تلتقي الله تعالى .
إذن ، التفسير الوحيد لهذه الآية الكريمة ـ والله عز شأنه أعلم بمراده ـ أنّ مسيرة الإنسان تنتهي إلى الله تعالى بعد كدح طويل وبعد سقوط الكثيرين ، وأنّ هذه القافلة بمجموعها ومجملها ، ومن خلال تاريخها الطويل عبر الأجيال والأمم، تنتهي في حركة صاعدة إلى الله تعالى ، ولن يضر بهذا المعنى سقوط الأفراد والجماعات والأمم خلال المسيرة .
وهو تماماً كما لو كان المعلِّم يخاطب تلاميذه في بدء رحلة التعليم : إنّكم تنتهون في دراستكم إلى الدراسات الجامعية العليا ، إذا كانت غاية الطلبة هي الوصول إلى التخصص في الدراسات العالية ، ولن يضرّ ذلك تعثر مجموع من الطلاب وسقوطها وتركهم للدراسة .
وكذلك مسيرة البشرية ، وإن كانت تتعثّر في حركتها بين العروج والسقوط ، ومهما كثر السقوط في حياة الإنسان وتاريخه الطويل ، فإنّ عاقبة هذه المسيرة في لقاء الله .
إنّ الفلاّح يزرع أشجار البرتقال لتثمر البرتقال ، ويعلم أنّها سوف تثمر ، وإن كانت بعض هذه الأشجار يذبل أو يموت أو تثمر أو لا تثمر .