ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٢١ - الولادة الجديدة
والآية الكريمة هذه تشير إلى ولادة هذه الأمّة ، وقد اختار الله تعالى عرب الجزيرة ، دون سائر الشعوب ، لحمل هذه الرسالة .
ويعبّر عنهم القرآن الكريم بـ ( الأُمِّيِّينَ ) .
وقد كان يحكم في الأرض في تلك الفترة ( فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ ) حضارتان جاهليتان عريقتان ، قد ورثتا المواريث الحضارية للحضارات الجاهلية السابقة عليها : كالهندية ، والإغريقية ، والبابلية ، والأكدية ، والسومرية ، وغيرها .
وهاتان الأمّتان الجاهليتان ( الفارسية والرومانية ) ، كانتا بحكم هذا العمق الحضاري قد تشبّعتا بالأفكار والمفاهيم والقيم والأعراف الجاهلية ، وتلوثت أفكارهم وقلوبهم به ، ولم يكن من السهل تجريدهم وتخليصهم عنها ليحملوا رسالة الله تعالى نخبة صافية إلى البشرية ، والعرب في قلب الصحراء ، لطبيعة موقعهم الجغرافي ، كانوا معزولين عن هذه المؤثرات الحضارية .
والتعبير القرآني دقيق وبليغ : ( في الأُمِّيِّينَ ) ، والأمّي مُسند إلى الأُم ، وكأنّهم قد ولدوا لتوِّهم من بطون أُمهاتهم لا يعرفون شيئاً : ( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ) ، [ النمل : ٨٨ ] .
وليس معنى ذلك أنّ العرب كانوا في الجاهلية على الفِطرة ، ولم تتلوّث فطرتهم ، وإنّما يقصد أنّ الجاهلية العربية لم تكن ذات عروق ضاربة في عمق الحضارات الجاهلية .
وبتعبير آخر : كانت الجاهلية العربية جاهلية غير متحضّرة ، ولا تحمل عمقاً حضارياً كما كانت الجاهلية الرومانية والفارسية ، ولهذا السبب كانت البيئة العربية في الصحراء أكثر تهيؤاً لقبول هذه الرسالة واحتضانها ، وتبنّيها وحملها إلى البشرية .
قد يكون هذا هو السبب في اختيار الله تعالى الجزيرة العربية منزلاً أوّلاً للوحي دون سائر الأوساط والبيئات . ومهما يكن من أمر ، فإنّ حركة التاريخ والتوحيد لا تتعطّل ، وإنّما يختار الله لها